العقل اللحظي والعقل الزمني: بين منطق الوجود ومنطق الخلود

تصغير
تكبير

التاريخ لا يحفظ أسماء التجار والأثرياء الذين كان حضورهم محصوراً في لحظتهم الزمنية، إلّا من سخّر ثروته لنفع البشرية، بقدر ما يحفظ أسماء المُفكّرين والعلماء والمناضلين، ويخلد تفاصيل حياتهم وإنجازاتهم، على الرغم مما عاناه كثير منهم من فقر أو تهميش أو نبذ في المجتمعات التي عاشوا فيها.

فاللحظة هي الزمن المحدود الذي يتناسب مع متوسط عمر الإنسان، والذي يبلغ في عصرنا نحو خمسة وسبعين عاماً، أما الزمن فهو الامتداد الذي يتجاوز عمر الأفراد والأجيال، ويتراكم أثره في التاريخ حتى يصبح أكثر رسوخاً وعمقاً.

ومن هنا ينشأ عقلان مُتمايزان في طريقة التفكير وطبيعة النظر إلى الوجود. فالعقل اللحظي يتعامل مع الحياة من خلال حدود الوجود المادي والآني، فيمنح احترامه وإعجابه للتاجر، والثري، وصاحب النفوذ، وكلّ ما تُمثّله القوة المادية بمختلف صورها. وفي الغالب، لا يولي العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين ما يستحقونه من تقدير، لأن ميزانه محكوم بما تفرضه اللحظة من مصالح ومظاهر.

أما العقل الزمني، فعلى النقيض من ذلك، فإنه يمنح العلماء والمفكرين والفلاسفة والمُناضلين المكانة الأسمى، لأنه تحرّر من أسر اللحظة، وانطلق إلى أفق الزمن الممتد، حيث تقاس قيمة الإنسان بما يتركه من أثر نافع لا بما يملكه من متاع زائل. إنه عقل ينظر إلى التاريخ لا إلى الساعة، وإلى الخلود المعنوي لا إلى المكاسب العابرة، وإلى المستقبل لا إلى الحاضر وحده.

ولكي نُميّز بين هذين العقلين، ونحكم أيهما أرجح وأبقى أثراً، يكفي أن نطرح سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته، لماذا تحفظ كتب التاريخ أسماء العلماء والمفكرين والفنانين والمناضلين، بينما لا تكاد تذكر أسماء التجار والأثرياء وأصحاب النفوذ إلا عرضاً أو في الهوامش، إن ذكرتهم أصلاً؟ ولو تصفّحنا كتب التاريخ لوجدناها تفرد الصفحات للحديث عن أصحاب الفكر والعلم والإبداع، وتُحلّل أفكارهم، وتروي مواقفهم، وتستعرض آثارهم، في حين يمرّ ذكر كثير من أصحاب المال والنفوذ مروراً عابراً، لأن أثرهم ارتبط بزمانهم، ولم يمتد إلى ما بعده.

ومن هنا ندرك جانباً من الحكمة العظيمة في قول الله تعالى في سورة الرعد:

«أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا * وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ * كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ * فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً * وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ * كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ».

فالماء، الذي جعله الله أصل الحياة، يجرف معه الزبد، والزبد قد يبدو مرتفعاً وكثيراً ووفيراً وممتعاً، لكنه سرعان ما يختفي، لأنه لا يحمل في جوهره نفعاً باقياً. أما ما ينفع الناس فإنه يبقى، ويستقر، ويثمر، ويمتد أثره في الأرض، ليحفر في ذاكرة التاريخ.

إن عظمة هذه الآية أنها تؤسس لقانون إلهي خالد يحكم حركة الزمن، فالحياة تحمل دائماً زبداً يرمز إلى الزينة والمتاع والمظاهر العابرة، كما تحمل في الوقت نفسه الجوهر النافع الذي يبقى ويثمر. وما يخلده التاريخ ليس ما يبهر الأبصار في لحظته، وإنما ما نفع الإنسان واستمر أثره عبر الزمن.

وهكذا، فإن الإنسان الرسالي، وصاحب الفكر والعلم، هو الذي تجاوز بعقله عواطف اللحظة ونزواتها، ليرى بعين الزمن الممتد، ويزرع أثراً يبقى بعد رحيله، مصداقاً لقوله تعالى في سورة العنكبوت:

«وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ * وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي