اقرأ ما يلي...

التعفن الدماغي

تصغير
تكبير

أكثر جملة لا أحب سماعها هي: لهذا نحن مكروهون كعرب. وهل العرب يتسولون حب العالم ورضاه؟!

من يعتد السفر سيجد الكثير من المعتوهين، والمتخلفين، والحفاة في الشوارع، وغيرهم من المشاهد المخيفة، والظواهر الغريبة. لكن المشاهد العربي البسيط الذي لم يسافر يوماً، وبنى قناعاته عن العالم الغربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وأفلام هوليوود، من الطبيعي أن ينظر إلى نفسه كعربي بنظرة يغلب عليها النقص، والاشمئزاز، واحتقار الذات والبيئة التي يعيش فيها.

هل نعاني من التعفن الدماغي؟ إننا غارقون في التواصل الاجتماعي وأصبحنا نستعين ببرامج تفكر نيابة عنا، وننجذب إلى عناوين مخيفة ومغلفة بعباءة الذكاء الاصطناعي. وللأسف، وجدت من يصدقها دون تمحيص، تماماً كما يفعل الإعلام الإيراني ضد الكويت اليوم.

التعفن الدماغي مصطلح شائع يُستخدم لوصف التأثيرات السلبية المحتملة للإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع أو منخفض القيمة، خاصة المقاطع القصيرة في وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما نسميه اليوم بـ Reels. وهناك أبحاث تدرس ظواهر مرتبطة بما يسمى بالتعفن الدماغي، ويدعم العلم جانباً من هذه الدراسات، حيث تتمثل هذه الظواهر في ضعف أو تشتت الانتباه، والإرهاق الذهني، وصعوبة التركيز لفترات طويلة، والإدمان على التمرير المستمر، والتأثير على الذاكرة العاملة واتخاذ القرار، إضافة إلى ارتباط الاستخدام المفرط لوسائل التواصل بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب لدى بعض الأشخاص.

لكن الأدلة تشير إلى أن الإفراط في استهلاك المحتوى السريع والمكافآت المتكررة قد يؤثر على القدرة على التركيز العميق. وفي هذه الحالة، ربما ينبغي للأطباء الجراحين مثلاً أن يتجنبوا الإفراط في متابعة هذه المقاطع. كما أن هذا النوع من المحتوى يقلل من الصبر على القراءة أو التعلم طويل الأمد، وهنا أعترف أنني شخصياً بحاجة أحياناً إلى التخفيف من متابعته. كذلك تشير بعض الدراسات إلى تأثيره في القدرة على التفكير النقدي والتحليلي.

أعتقد أنني أصبحت بهذا الكلام مُفسدة للمتعة أو قاتلة للدوبامين، وكأنني أطالب الناس بالعودة إلى زمن الفيديوهات الطويلة والمحتوى الممل. وربما يظن البعض أنني لا أريد للناس الاستفادة من المقاطع التعليمية أو الصحية أو الإرشادية الهادفة، لكن العكس هو الصحيح. فهنا تحديداً نضع أيدينا على الحل الأنسب والأكثر واقعية لنا جميعاً: أن نندمج مع هذا النوع من المحتوى بطريقة صحية ومتوازنة. وذلك من خلال تخصيص أوقات محددة خلال اليوم لمشاهدة المقاطع القصيرة، كما يجب علينا أن نعزز صلة الرحم، ونكثف اللقاءات المباشرة والتواصل الإنساني الحقيقي، وأن نستعيد متعة الحوار المسموع والمرئي بدلاً من العيش في عزلة بين أربعة جدران وشاشة هاتف صغيرة.

ولا أستطيع أيضاً أن أنكر أن بعض المقاطع تمنحني راحة نفسية حقيقية، وأحتاج إليها أحياناً عندما أشعر بالغضب أو الضغط؛ كمقاطع تنظيف المنزل، أو مقطع متنمر أخذ جزاءه، أو حتى مقاطع الطبخ السريعة التي جعلتني أؤمن أن برامج الطبخ التلفزيونية التقليدية يجب أن تنتهي فوراً.

هناك مقاطع كثيرة تمنحني شعوراً غريباً بالرضا والراحة، ولا أعلم تماماً السبب وراء ذلك، إلا أننا نعيش بالفعل في عالم يدور بسرعة مذهلة، سرعة تكاد تشبه دوران الغازات في الكون...

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي