قيم ومبادئ

قوارب ومراكب الكويت إلى أين؟

تصغير
تكبير

من العلل الشائعة في الميدان التربوي ضعف الإقبال على القراءة الجيدة وانعدام الصلة بكتب التراث الأصيلة!

ولقد سرى هذا الداء العضال في طائفة من شباب الجيل الجديد من الجنسين!

فقد أخذهم دُوّار العَجَلة الذي ابتُلى به العصر الحديث... وأغراهم حُب الوصول بغير مجهود فَوَقع في وهْم أن القراءة عبث وأن بطون الكتب ليست إلا مقابر جماعية ران عليها الغبار والعثار! وأن الذي يعنيهم الآن الحياة... ولا شيء غير الحياة!

وإنه لمن المفرح والمبكي معاً أن نسمع شاباً حَدَثاً في أحد البرامج (التلفزيونية أو الإذاعية) يحدثنا عن (الحياة) كما لو كان حقاً يعرفها وكما لو كنا - نحن الذين تقدمناه في الزمن - قد وُلدنا في كوكب الزهرة الذي هو أقرب الكواكب فلم نهبط إلى الأرض ولم نكدح في الحياة قبله ولم نَعِشها ولم نرها! وتجده يرفع بصره إلى السماء ثم يأخذ نفساً عميقاً ويتنهد ثم يفيض بالدروس والعبر! عن ماهيّةِ الحياة!

ويجدر بنا بلمحة سريعة أن نذّكره والمشاهدين والسامعين بالرعيل الأول من أهل الكويت الذين عاشوا أجواء (حربين عالميتين) فكثير منهم لم يقض شبابه كله في مقاعد الدروس أو التدريس... ولم تكن حياته غارقة في النظريات أو في تحرير المؤلفات، ولكنه غرق زمناً في الحياة من حيث هي حياة بواقعها حلوها ومرها وطيبها وخبثها يجول الفرجان والبرايح ويجلس في الدواوين ويتصل بالحاكمين والمحكومين ويطّلع على خبايا المجتمع وخفايا الصدور ومعاناة الأُسر، وأنه عرف أهمية وحدة المجتمع وتلاحمه ومسؤولية المحافظة على الأسرة ولحظة التأمل على شاطئ البحر وزحمة الاجتماع فجراً في (ساحة الصفاة) ومرارة الإخفاق في الحصول على قوت يومه ومشقة الكفاح من أجل العيش وتبعات الرأي الحُر في المسائل السياسية والاجتماعية والثقافية. ولم يفقد في أي وقت اتصاله بالشخصيات التي يرى فيها ويعرف ما يجري في البلد وما يحركه!

وفي حديث ذلك الشاب عما يعنيه بكلمه (الحياة)! تعرف منه أن الحياة عنده هي وجوده المحدود الذي يعرفه وظروفه التي تحيط به! وهي الرغبات التي يحلم بها وينالها أو لا ينالها! وهي الفتاة التي يحبها ويريد أن يجعل من حبه لها مشكلة المجتمع أو معضلة الكون! وهي الجلوس في المقاهي والخوض في الامتحانات أو المعاشات أو السهرات والليالي الظلماء، أو ما يقع تحت بصره في الخط السريع أو في مواقف السيارات أو المكتب أو السوق التجاري أو ما يقرأه سريعاً في رسالة (SMS) ومن فاز بكأس العالم! أو ما يصل إلى علمه من شائعات تتعلق بأوضاع الحروب وأزمات العالم ومشاغل غلاء الأسعار... فهذه كل الحياة التي يمكن أن يحيط بها شاب من شبابنا اليوم!

ولكن الحياة التي عرفها الرعيل الأول شيء أعمق من ذلك وأوسع وأرحب! إنها نهرٌ جارف متدفق لا نعرف منه المنبع ولا المصب! البعض يكتفي منه بالجلوس عند الشط والبعض يسبح مع التيار أو ينغمر فيه! والبعض لا يكتفي إلا بالصعود إلى منابعه ليكتشف المزيد!

آثار الأقدمين الخالدة من كتب ومعارف وفنون التي سطرها علماء الكويت هي القوارب والمراكب التي نصعد بها مستكشفين منقبين في منابع ومناجم وملاهج نهر الحياة الكبير!

وهنا تبدو الصعوبة، فليس كل الناس يستطيع أن يكون قائداً مرتاداً... فلابد لمن أراد التنقيب في هذا النهر ومعرفة خباياه وفهم أسراره، من خبرة وتجربة ومعافسة تجارب السنين!

والواقع الذي دلنا عليه علم النفس الحديث أننا لا نستطيع أن نصل إلى ما نجهل إلا عن طريق ما نعلم! فعلمنا السابق هو مفتاحنا لباب المجهول، وخذ مثالاً لذلك (الأمثال الشعبية الكويتية) عند من لم يرها ولم يعرفها ويسمعها لا تدل على شيء كثير، ولكنها عند من رآها وعاش فيها تدل على صورٍ ومعانٍ لا حصر لها ولا عدّ... فنحن لا نطالع بأذهاننا وحدها ولكننا نطالع بتجاربنا وخبراتنا!

وأخيراً...

هل كان من الممكن أن يُدرك الإنسان في شبابه من معاني الحياة أكثر مما تُتيح له سِنّه من خبرة وتجربة؟

هنا سر عزوف أكثر الشباب عن الكتب القديمة النفيسة! لجهلهم بالحياة العميقة الرحبة وهو الذي يُخيفهم من تلك الكتب!

إنهم يضجرون منها سريعاً ضجرهم من مصاحبة من هم أكبر منهم سِنّاً! وهم يكتفون بالكلام عن الحياة ليوهموا أنفسهم أنهم قد عرفوها!

وأما اليوم ومع شيوع وسائل اللهو وألوان القراءات التصويرية السريعة وكلها مما يناسب مزاج الشباب ويطيب لسنه ويتفق مع محيطه فما الذي يضطره إذاً إلى بذل الجهود وتجشم المشقة في اتخاذ القوارب والمراكب يصعد بها إلى (حياة) هي بالنسبة لمداركه وتجاربه (مجاهيل) ولا يمكن أن ينفذ إلى جوفها وهو في ربيع العمر وزهرة الشباب؟!

فإلى أين تُبْحِرُ زوارقنا وبأي وقود؟!

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي