في أوقات الحروب لا تدار معارك الدول في الميدان العسكري فقط، بل في ميدان الوعي أيضاً، فالحروب الحديثة تُخاض بالسلاح والسرديات، ومن ينجح في فرض روايته للأحداث يمتلك جزءاً مهماً من عناصر القوة.
تعتمد إيران منذ عقود على سردية بعيدة كل البعد عن الحقيقة ولكنها متماسكة، فهي تقوم على تكرار رسائل محددة بصورة منهجية وإن كانت كاذبة، وتقدم نفسها بوصفها دولة مظلومة وهي ظالمة، وتدعي أنها حامية للأمة الإسلامية وهي أكثر ضرراً بالدول المسلمة، وتصور أي مواجهة تخوضها على أنها دفاع مشروع عن النفس، رغم غدرها وجرائم حربها ضد جيرانها، واللافت هو الانضباط في إنتاجها لروايتها وتكرارها وتصديرها عبر مختلف المنصات السياسية والإعلامية والثقافية.
في المقابل، يبدو الخطاب الخليجي في كثير من الأحيان رد فعل كلما تمادت إيران وأذرعها أكثر منه مشروعاً متكاملاً، فنحن كثيراً ما نكتفي بنفي الرواية المقابلة ولا نبادر إلى إنتاج روايتنا الخاصة، ولا نستثمر في توثيق ذاكرتنا الوطنية أو تقديم سرديتنا للأجيال الجديدة وللرأي العام الدولي رغم أنه تاريخ مليء بالغدر من إيران ووكلائها.
إيران امتلكت رواية (كاذبة) واستعدت لتصديرها، بينما نحن لم نستعد بالقدر الكافي لمثل هذه اللحظات، نحن حتى الأعمال الفنية التي وثقت محطات مؤلمة من تاريخنا والتي ارتبطت بتنظيمات مدعومة من إيران لم نستثمرها درامياً أو وثائقياً انطلاقاً من رغبة في تجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل.
كما فضلت دول الخليج، في مراحل مختلفة، سياسات الاحتواء وخفض التصعيد، أملاً في بناء علاقات أكثر استقراراً، إلا أن إيران اتضح اليوم أنها دولة طامعة تتغذى على الدمار، لكن تتعرض دولنا لتهديدات أمنية مباشرة، ويستهدف أمنها الداخلي وبنيتها التحتية والمدنية، فإنها تجد نفسها أمام ضرورة ملحة وهي إعادة بناء خطابها الإستراتيجي بمنهجية متواصلة بما يعكس أولوياتها الأمنية ورؤيتها الوطنية، ويقدم مخاوفها وهواجسها الأمنية أولاً.
وهنا نقصد، إستراتيجية إعلامية خليجية واضحة المعالم، لا تقتصر على الرد على السرديات المنافسة، بل تؤسس لسردية خليجية مستقلة، نابعة من مصالح دول الخليج وتاريخها وتجاربها الأمنية، بعيداً عن استنساخ مشاريع الآخرين أو الارتهان لأولوياتهم، فالدولة التي لا تكتب روايتها، سيكتبها عنها الآخرون.