في تصميم البيت الكويتي المعاصر
غياث المصري... فلسفة معمارية بين الضوء والظل والنبات
- قدّم نموذجاً يقوم على التفاعل مع المناخ ... ودمج العمارة بالطبيعة
شهدت العمارة السكنية في الكويت خلال السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة، تجاوزت الاهتمام بالشكل الخارجي للمبنى إلى البحث عن حلول تصميمية أكثر ارتباطاً بالمناخ والهوية وجودة الحياة، وفي هذا السياق برزت أعمال المعماري غياث المصري، بوصفها تجربة قدمت رؤية مختلفة للبيت المعاصر، تقوم على اعتبار الضوء والظل والنبات عناصر رئيسية في تشكيل الكتلة المعمارية منذ المراحل الأولى للتصميم.
واعتمد كثير من المساكن الحديثة في السابق على الفصل بين المبنى والحديقة، حيث تُصمم الكتلة أولاً، ثم تُضاف عناصر تنسيق الموقع في مرحلة لاحقة. أما في أعمال غياث المصري، فتتشكل العمارة مع تنسيق الموقع بوصفهما منظومة واحدة، بحيث يصبح الضوء والظل والنبات جزءاً من الفكرة المعمارية، وليس مجرد معالجة جمالية بعد اكتمال المشروع.
وتنطلق هذه الفلسفة من دراسة مسار الشمس واتجاهات الضوء والظلال قبل رسم الكتلة المعمارية، بما يجعل المبنى يستجيب للبيئة المحيطة، ويحقق توازناً بين الأداء المناخي والتعبير التشكيلي.
لغة تصميمية
ويرى عدد من المهتمين بالعمارة أن أعمال غياث المصري، قدمت لغة تصميمية مميزة في عدد من المشاريع السكنية بالكويت، تقوم على كتل معمارية تتغير قراءتها البصرية مع حركة الضوء خلال ساعات النهار، بحيث يصبح الظل عنصراً يشارك في تشكيل الواجهات، لا مجرد نتيجة للشكل المعماري.
كما تتعامل هذه المشاريع مع النبات بوصفه عنصراً معمارياً يحدد المشهد البصري، ويوجه الحركة، ويربط المساحات الداخلية بالخارجية، لتصبح الحديقة امتداداً طبيعياً للبيت، وليس مساحة منفصلة عنه.
مشروع المسايل
ويبرز هذا النهج في أحد المنازل التي صممها غياث المصري، أخيراً في منطقة المسايل، حيث اعتمد التصميم على تدوير الكتلة المعمارية بالنسبة لمحاور الموقع استجابةً لمسار الشمس، بهدف تقليل تعرض الواجهات الغربية لأشعة ما بعد الظهيرة ذات الحمل الحراري المرتفع.
ولم يكن هذا القرار مجرد معالجة بيئية، بل تحول إلى جزء من الهوية التشكيلية للمشروع، إذ منحت زوايا الكتلة والفراغات المتداخلة المبنى إحساساً بالحركة، بينما تغيرت قراءة الواجهات بصرياً مع تعاقب الضوء والظل على مدار اليوم.
كما دُمجت الحديقة مع المبنى من خلال ميزانينات ومساحات انتقالية مترابطة، بحيث أصبحت الطبيعة جزءاً من التجربة اليومية للسكان، وأسهم ذلك في تحسين الإضاءة الطبيعية، وتقليل اكتساب الحرارة، والحد من الاعتماد على أنظمة التكييف.
البيت الكويتي المعاصر
ويرى متابعون أن هذه المقاربة أسهمت في إبراز توجه معماري يربط بين الجمال والأداء البيئي ضمن فكرة تصميمية واحدة، وأعادت التأكيد على أن الاستدامة لا تبدأ بالتقنيات، بل تبدأ بطريقة تشكيل الكتلة المعمارية نفسها. ومن خلال هذا النهج، قدم غياث المصري، نموذجاً للبيت الكويتي المعاصر يقوم على التفاعل مع المناخ، ودمج العمارة بالطبيعة، وصناعة هوية بصرية مميزة تجمع بين القيمة الفنية والكفاءة البيئية.