عالم أحياء يفسر الظاهرة العالمية
لماذا نتثاءب؟
نشرت مجلة «Forbes» الأميركية تقريراً يستند إلى تحليل عالم أحياء متخصص، يفند الفرضية الشائعة التي تربط التثاؤب بنقص الأكسجين أو ثاني أكسيد الكربون في الدم، ويكشف أن هذه الظاهرة العالمية التي نمارسها جميعاً منذ وجودنا كأجنة في أرحام أمهاتنا تخضع لمنطق بيولوجي عصبي أعمق وأكثر تعقيداً مما كان يُعتقد لعقود.
وأوضح التقرير أن البروفيسور «سكوت ترافرز»، عالم الأحياء التطوري، أكد أن الفكرة السائدة بأن التثاؤب يعمل على زيادة الأكسجين في الدم قد دُحضت علمياً بشكل قاطع منذ ستينات القرن الماضي، عندما أثبتت تجارب أن تنفس هواء غني بالأكسجين أو ثاني أكسيد الكربون لا يغير من معدلات التثاؤب لدى المتطوعين.
وأفاد التقرير بأن النظرية الأكثر قبولاً في الأوساط العلمية اليوم هي فرضية «تنظيم حرارة الدماغ»، والتي تنظر إلى عملية التثاؤب كنظام تبريد بيولوجي متطور للمركز العصبي الأكثر استهلاكاً للطاقة في الجسم.
وفي هذا الإطار، أوضح عالم الأحياء أن الدماغ البشري، على الرغم من أنه لا يمثل سوى 2 في المئة من وزن الجسم، يستهلك نحو 20 في المئة من طاقته، مما يجعله عرضة لارتفاع درجة حرارته، والتثاؤب هنا يعمل كمبرد عبر سحب الهواء البارد إلى الجيوب الأنفية التي تقع على مقربة من الشرايين الرئيسية المغذية للدماغ، مما يخفض حرارته ويعيده إلى مستوى الأداء الأمثل.
وفصّل التقرير الأدلة التي تسند هذه النظرية، لافتاً إلى أن الباحثين رصدوا تغيرات ملموسة في وتيرة التثاؤب ترتبط بدرجة الحرارة المحيطة، وهو ما يمكن عرضه كالتالي:
• أظهرت الدراسات أن البشر يتثاءبون بشكل أكثر تواتراً في فصلي الشتاء والخريف المعتدلين، حيث تكون حرارة الهواء الخارجي أقل من حرارة الجسم، مما يسمح بتبريد الدماغ بفعالية، بينما تقل الظاهرة بشكل كبير في أيام الصيف الحارة عندما تتساوى حرارة الهواء مع حرارة الجسم أو تتجاوزها.
• في تجربة لافتة، وُجد أن وضع كمادات باردة على جباه المشاركين قلل بشكل كبير من رغبتهم في التثاؤب عند مشاهدة مقاطع فيديو لأشخاص يتثاءبون، في حين أن الكمادات الدافئة زادت من معدلات التثاؤب، مما يؤكد العلاقة المباشرة بين حاجة الدماغ للتبريد وانطلاق هذه الآلية.
وتناول التقرير البُعد الاجتماعي للظاهرة، مشيراً إلى أن «التثاؤب المعدي» الذي يحدث عند رؤية شخص آخر يتثاءب لا يزال محط نقاش علمي. وأكد عالم الأحياء أن التفسير الأرجح لا يرتبط بالتقليد العاطفي البسيط أو التعاطف، بل هو آلية جماعية لتبريد الأدمغة، ففي المجموعات البشرية القديمة، كان تثاؤب فرد واحد قد يكون إشارة إلى أن أدمغة القطيع تحتاج إلى التبريد استعداداً لنشاط جماعي أو لمواجهة خطر وشيك، مما جعل الاستجابة الجماعية للتثاؤب ميزة تطورية للبقاء.
ويعيد هذا التفسير صياغة فهمنا لواحدة من أكثر السلوكيات الإنسانية شيوعاً، محولاً إياها من مجرد رد فعل بدائي مرتبط بالملل أو النعاس إلى نظام تنظيم حراري عصبي متقن، ويبقى السؤال مفتوحاً حول الأسباب الدقيقة التي تجعل بعض الحالات المرضية مثل الصداع النصفي أو الصرع تترافق مع نوبات تثاؤب مفرطة. وتبقى الخلاصة أن العلم، كما في كثير من الأحيان، يكشف أن التفسير الأبسط ليس هو الصحيح بالضرورة، وأن وراء كل فعل إنساني بسيط قصة تطورية معقدة تستحق الاكتشاف.