خسروا... وما خسرت
بينما كانت عدسات المصورين، على أرضية استاد «ميتلايف» بولاية نيوجيرسي الأميركية، تلاحق احتفالات لاعبي منتخب إسبانيا بعد انتهاء مباراتهم مع الأرجنتين في نهائي مونديال 2026 وفوزهم باللقب الثاني في تاريخهم، كان عدد كبير من هؤلاء المصورين يبحث عن لاعب انزوى في إحدى زوايا الملعب بالكاد يتمالك دموعه.
ليونيل ميسي قائد الأرجنتين وأسطورة عصرها الحالي عاد مجدّداً إلى دائرة الحزن بعد 4 سنوات فرض فيها نفسه ملكاً على كرة القدم العالمية بعدما قاد منتخب بلاده إلى التتويج بلقب مونديال 2022 في قطر.
قبل شهور من انطلاق كأس العالم 2026، غلّف ميسي مشاركته في البطولة الأمجد بالكثير من الغموض، ولم يعلن صراحة ما إذا كان سيرقص رقصته الأخيرة في أميركا الشمالية أم لا، حتى بدد ذلك إعلان المدرب ليونيل سكالوني أن قائمة المنتخب الأرجنتيني للبطولة ستكون بقيادة ميسي.
رأى كثيرون أن مشاركة «البرغوث» في كأس العالم ستكون أشبه بالشهور الأخيرة لقيادي كبير في وظيفته قبل التقاعد، هدوء أكبر وجهد أقلّ واستمتاع بالعمل.
ما حدث بعد ذلك كان مفاجئاً بنسبة كبيرة، ميسي يضرب بقوّة ويسجل الثلاثيات والثنائيات، ومن ثم يجد نفسه في خضم منافسة محتدمة على لقب هداف هذه النسخة والهداف التاريخي للمونديال مع لاعبين يصغرونه بأكثر من 10 أعوام ولديهم من العناصر المساندة ما لم يتوفر له، وسقف طموح الأرجنتينيين يعود ليرتفع على غرار ما حدث في قطر.
في سن الـ39، واصل ميسي حمل الأرجنتين على ظهره مباراة بعد أخرى ومرحلة تلو الثانية مقدماً أداءً مبهراً، وشهدت الدقائق الأخيرة من مباراتي «ألبيسيليستي» مع مصر وإنكلترا في الدورين ثمن ونصف النهائي توالياً وضعه بصمة «عبقرية» في تاريخ كأس العالم تضاف إلى عبقريات سابقة شهدتها البطولة على غرار هدف البرازيلي بيليه على السويد في نهائي 1958، والهولندي يوهان كرويف في مرمى الأرجنتين 1974 والهدف الأيقوني للأرجنتني دييغو مارادونا على إنكلترا 1986.
تتأزم الأمور، وتتجه الأرجنتين إلى الهزيمة والخروج من البطولة، يذهب ميسي، تحت نظر المنافسين، إلى الجهة اليمنى من الملعب ثم يبدأ بصناعة الفرص والأهداف.
بعد تسلمه الميدالية الفضية، ووسط غناء الجماهير أغنيتهم الشهيرة «Soy Argentio» (أنا أرجنتيني)، لم يتمكن ميسي من حبس دموعه وفازت عدسات المصورين باللقطة المنتظرة، ميسي يبكي في آخر ظهور له على مسرح كأس العالم وكأنه أراد أن يُكرّر المسيرة ذاتها التي خاضها مارادونا في البطولة، فشل ثم تتويج مُبهر ثم خسارة في المباراة النهائية بعد أداء باهت من المنتخب ووجنتين مبللتين بالدموع.
في غضون 24 ساعة فقد ميسي إنجازين، الهداف التاريخي للمونديال الذي ذهب إلى الفرنسي كيليان مبابي بفارق هدف (22 مقابل 21)، قبل أن يخسر في اليوم التالي اللقب الأهم... كأس العالم.
عشية المباراة النهائية، ظهر ميسي بتصريح غير مسبوق، فالنجم الذي لم يتفاخر يوماً بإنجازاته، أكد بأنه «ختم اللعبة» قبل 4 أعوام في قطر: «مسيرتك المهنية مثل لعبة فيديو، تتقدم عبر إزالة القفل عن المستويات لتصل إلى النهائي.. وأنا أنهيت اللعبة بالفعل في كأس العالم الماضي».
كان ميسي يدرك أن الفوز بكأس العالم هو فقط ما كان ينقص مسيرته الرائعة وهو ما تمكن من تحقيقه في قطر وكل ما سيأتي بعد ذلك سيكون أشبه بحبة كرز فوق الكعكة.
في ليلة الأحد- الإثنين لم يخسر ميسي ولكن الأرجنتين هي من خسرت وعليها أن تجدّ في البحث عن وريث جديد، في مهمّة قد تستغرق عقوداً وقد لا تنجح أبداً.