بين حاجةٍ يودُّ الإنسان فعلها، وبين الاستمتاع بما يودُّ فعله؛ هل يفعل الإنسان ما يريد ليستمتع، أم يستمتع ليفعل ما يريد؟
كثيراً ما غزت عقولنا، التي تدّعي الدهاء والذكاء وحرية التفكير وعدم التسليم، كلمةٌ جعلتنا نتبع قطيع المجتمع الجمعي، مع أن الواقع على خلاف هذا الادعاء، وهي كلمة الشغف. فقد صرنا نسير وراءها دون أن نعرف عاقبة الطريق، ولا إلى أين يقودنا. ولعل الشغف الذي نبحث عنه قد استتر عنا، لأنه قد لا يكون بمعناه الحقيقي ما نبحث عنه فعلاً؛ فنحن ربما نطلب شيئاً ليس هو حقيقة ما نريد. فإذا وجدنا الشغف الذي توهمناه، وجدناه غير ما أمّلنا، وغير ما تخيّلنا في حقيقته ومضمونه.
إن ما نبحث عنه في كثير من الأحيان هو ما يمنحنا سعادةً فوق المستوى الطبيعي أثناء أداء ما نظن أننا نحبه، وبهذه الحال حمّلنا ما نؤديه مسؤوليةً ليست من مسؤولياته؛ فإذا لم يمتعنا كما توقعنا تركناه، وسقط من قائمة المحبة. أما الذي يحب عملاً فإنه يؤديه، ولو كان فيه ألمٌ وإجهاد، لأنه يدرك أنه مسؤولية. فحب المسؤولية، والصبر عليها، وتحمل آلام عواقبها، وما يلقاه الإنسان من مشقة في سبيلها، قد يكون هو المعنى الآخر المجهول للشغف.
في زمن الرخاء والنعيم، الذي سنُسأل عنه، تغيّرت الأفكار والميول، وتبدّل كثير من الحقائق. فما كان الإنسان يفعله جِبِلَّةً وفطرةً، أو من باب المسؤولية الإنسانية، أصبح يبحث فيه عن المتعة والشغف، بدلاً من البحث عن المعنى والقيمة؛ ليشعر بإنسانيته ودوره. وفي المقابل، قلَّ الصبر على البلاء، وضعف الشكر على العطاء، وتضاءلت قيمة الأداء، حتى تشكل مفهوم المادية البحتة، وأصبح التماس المتعة من الخارج، من الموجودات، لا من الداخل. فلم تعد هناك قيمة داخلية يضفيها الإنسان على ما يؤديه صبراً واستئناساً.
يكمن في باطن الإنسان قلب، إذا حيي أحيا معه كل ما حوله، حتى ما يؤديه من أعمال يمكن أن يكتسب قيمةً ترتقي برقي قلبه. فإذا كانت لما يفعل الإنسان نيةٌ صالحة، وإن كان الفعل في أصله مباحاً، ارتقى بإنسانيته إلى مراقي أهل القلوب البصيرة، والجوارح التي تؤدي أعمالها بمتعة لما ينبع من داخلها، وإن لم يكن في ظاهر الفعل متعة. فإذا تعب الجسد استلذ القلب، وإذا ابتُلي بما يؤدي شكر، فعظم ما ينبض به القلب تجاه الفعل الخارجي، وهو الذي أضفى على ذلك الفعل قيمته الإنسانية والروحانية.
بين نار البحث عن المتعة في الحياة، ونار القلب المتوقد حياةً، يعيش الإنسان في زمن يرى فيه صاحب القيمة غريباً، ولا يجد في ظاهر ما يؤديه متعة. بينما تكمن المتعة الحقيقية في ما يضفيه على أفعاله من حياةٍ وقيمة، بنية صالحة، في واجباته ومهامه اليومية، التي تركها أهل المتع الفانية المتقلبة.
وأظن أن المتعة التي يبحث عنها المجتمع، إن لم تُربط بالقيم والضوابط الدينية، والأخلاقية، والمجتمعية، والنوايا الصالحة، فإن المجتمع يتنازل عن كثير من بشريته، ويغدو باحثاً عن المتع اللحظية والآنية، دون أدنى قيمة. فيتشيأ الإنسان، وهو يظن أنه يتحرر من قيود العبودية لما يعمل. وتلك أيضاً فكرة تحتاج إلى هدم صنم الحرية المدعاة، والعبودية المتهمة. فبين ناري الشغف والمسؤولية تُترك المهمات، وتتشوه الإنسانية، وتضيع القلوب نواياها وصفاءها ووجهتها إلى الله في ما تحب وتعمل .