لديهم مستويات أدنى من الالتهاب المزمن
المتفائلون... أقوى قلباً وأطول عمراً
طالما نُظر إلى التفاؤل باعتباره مجرد نظرة إيجابية عابرة للحياة، غير أن أدلة علمية متراكمة تكشف اليوم أنه أصل بيولوجي حقيقي يمتد أثره إلى طول العمر ذاته، والأعمار بيد الله.
فبحسب الدكتور سريني بيلاي، الطبيب النفسي والأستاذ السابق في كلية الطب بجامعة هارفارد، تُظهر دراسات جماعية واسعة النطاق أن الأشخاص الأكثر تفاؤلاً يعيشون أطول بنسبة تتراوح بين 5 و15 في المئة، وتنخفض لديهم مخاطر الوفاة لأي سبب بنسبة تتراوح بين 13 و14 في المئة، حتى بعد الأخذ بعين الاعتبار عوامل مثل الاكتئاب والسلوكيات الصحية والأمراض المزمنة.
وفي المتوسط، يعيش المتفائلون ما بين 4 و8 سنوات أطول من أقرانهم الأقل تفاؤلاً، وإن كانت هذه الفائدة تتفاوت من مجتمع إلى آخر.
ولم يقتصر الأثر الإيجابي للتفاؤل على طول العمر فحسب، بل امتد إلى الصحة القلبية أيضاً. ففي تحليل تلوي شمل بيانات أكثر من مئتين وعشرين ألف شخص، تبيّن أن المتفائلين كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة الثلث تقريباً، وأقل عرضة للوفاة أثناء فترة الدراسة بنسبة 14 في المئة مقارنة بمن هم أقل تفاؤلاً. واللافت أن الأثر الوقائي للتفاؤل كان مماثلاً لتأثير عدد من عوامل الخطر القلبية الوعائية التقليدية. كما توصل تحليل تلو آخر شمل أكثر من مئة وثمانين ألف شخص إلى النتيجة ذاتها، وهي أن أصحاب النظرة المتفائلة يواجهون مخاطر أقل للوفاة المبكرة بشكل مستمر.
فكيف يمكن لأمر معنوي غير ملموس كالتفاؤل أن يؤثر في الجسد؟ يرى العلماء أن الأمر يحدث عبر مسارات متعددة ومتداخلة. فأولاً، يرتبط التفاؤل بتحسّن الأداء المعرفي لدى الأفراد ولدى شركائهم أيضاً. وثانياً، يميل المتفائلون إلى تبنّي سلوكيات صحية أكثر، كممارسة الرياضة بانتظام، وتناول غذاء متوازن، والحصول على نوم مريح، وتجنّب التدخين.
وثالثاً، يظهر لدى أصحاب النظرة المتفائلة مستويات أدنى من الالتهاب المزمن، ومستويات كوليسترول أكثر توازناً، وجهاز عصبي ذاتي أكثر استقراراً، الأمر الذي يساعد الجسم على التعافي بكفاءة أكبر من الضغوط النفسية والجسدية.
ورابعاً، يميل المتفائلون إلى التكيّف بشكل أفضل مع النكسات، وبناء علاقات اجتماعية داعمة، والحفاظ على مرونتهم النفسية في أوقات الشدائد.
وتُقر جمعية القلب الأميركية رسمياً بالتفاؤل بوصفه عاملاً نفسياً مرتبطاً بصحة قلبية أفضل وعمر أطول.
والأهم من ذلك أن التفاؤل، بحسب الدكتور بيلاي، ليس سمة شخصية ثابتة، بل مهارة يمكن تعزيزها من خلال تدخلات موجّهة تفيد الصحة النفسية والجسدية معاً. بل إن بعض الأبحاث تشير إلى أن تقليل التشاؤم قد يكون بالقدر ذاته من الأهمية لزيادة التفاؤل، ذلك أن التشاؤم بحد ذاته يبدو ضاراً بالصحة.
ولمن يسعى إلى تعزيز تفاؤله، يقترح التقرير عدداً من الأساليب العملية القابلة للتطبيق في الحياة اليومية:
• تذكير النفس بأن التغيير ممكن، من خلال طرح سؤال بسيط: هل سبق لأحد واجه تحديات مشابهة أن غيّر مسار حياته؟ فالإجابة غالباً ما تكون بالإيجاب، ما يمنح العقل دليلاً واقعياً على أن الظروف الصعبة ليست دائمة.
• تدوين ثلاثة أمور جيدة حدثت خلال اليوم قبل النوم مع بيان سبب حدوثها، وهو تمرين بسيط أظهرت دراسة شملت أكثر من عشرة آلاف شخص في أربع وثلاثين دولة أنه يعزز التفاؤل والمشاعر الإيجابية والرضا عن الحياة، وقد تمتد فوائده لستة أشهر على الأقل.
والخلاصة هي أن تدريب العقل على توقّع احتمالات إيجابية، دون إنكار الواقع أو تجاهل الصعاب، قد لا يمنح الإنسان شعوراً أفضل في حاضره فحسب، بل يزيد أيضاً من فرصه في حياة أطول وأكثر صحة.