استمرار «سياسة النعامة» وغياب الرؤية السياسية حولت القتال إلى استنزاف دموي من دون أهداف واضحة
إسرائيل تُعيد إنتاج الفشل الإستراتيجي... 20 عاماً على حرب لبنان الثانية
«نحن نقاتل اليوم في لبنان بالعقلية ذاتها التي قاتلنا بها في العام 2006، وبالأوهام نفسها التي حملناها إلى قطاع غزة في العام 2014 والعام 2023. المشكلة ليست في التكتيكات، بل في رفضنا الاعتراف بأن الإستراتيجية نفسها معيبة»، بهذي العبارة لخص المحلل العسكري لصحيفة «معاريف» آفي أشكنازي، في تقييم أداء بلاده في الحرب على الجار الشمالي، خلال السنوات الماضية.
وكتبت أشكنازي "في يوليو 2006، اندلعت حرب لبنان الثانية ووعدت فيها القيادة السياسية والعسكرية، الجمهور بأنها ستغير قواعد اللعبة وتحطم حزب الله وتعيد الردع إلى الحدود الشمالية. بعد 34 يوماً من القتال العنيف، انتهت الحرب بقرع طبول النصر الزائف على المسرح الإعلامي، لكنها في الواقع خلفت وراءها 121 جندياً قتيلاً، إضافة إلى 44 مدنياً، واستقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان وعدد من كبار الضباط، وإدراكا مريراً بأن إسرائيل فشلت في تحقيق أي من أهدافها المعلنة".
واعتبر أن "الأكثر إيلاماً من هزيمة 2006 نفسها، هو ما تلاها من تجاهل منهجي للدروس التي كان ينبغي استخلاصها، فبدلاً من إعادة هيكلة المفهوم الإستراتيجي تجاه الحدود الشمالية، اختارت إسرائيل أن تنظر إلى الحرب كحادث طارئ يمكن تجاوزه بالدعاية والتبجح، وأن تواصل سياسة التغاضي التي أثبتت فشلها الذريع". وتابع "واليوم، وبعد مرور عقدين من الزمن، وفي خضم حرب جديدة على الجبهة اللبنانية، يعيد التاريخ نفسه بكل تفاصيله المؤلمة، بل ويتجاوزها إلى مستويات أعمق من الفشل والاستنزاف".
وأضاف أشكنازي «ترسم المؤشرات الميدانية والتحليلات النقدية الصادرة عن أبرز المؤسسات الإسرائيلية، من صحيفة هآرتس إلى معاريف ومن معهد دراسات الأمن القومي إلى مركز مدار، صورة قاتمة لجيش يغرق مجدداً في مستنقع لبناني من دون أهداف سياسية واضحة، مع أوامر إطلاق نار مقيدة، وجمود دموي في الميدان، واستمرار سياسة التغاضي الإستراتيجي التي سمحت لحزب الله بالتحول من منظمة إرهاب إلى جيش نظامي يمتلك قدرات هجومية ومناوراتية».
ورأى أن «الأدهى من ذلك أن هذه الأخطاء ذاتها، كما يقر المحللون الإسرائيليون، انتقلت إلى قطاع غزة، حيث انتهت بعملية السابع من أكتوبر 2023، لتثبت أن إسرائيل لم تستفد من دروس الماضي فحسب، بل أعادت إنتاجها مع إضافات جديدة من التبجح الرمزي وسياسة النعامة التي تجاوزت حدود العقلانية الإستراتيجية».
أسئلة معلقة بلا إجابات
واختتم أشكنازي، تقييمه النقدي بسلسلة من الأسئلة الجوهرية التي تكشف عن عمق الأزمة الإستراتيجية الإسرائيلية قال فيها «أي عقيدة دفاع تبنيها إسرائيل للمدى البعيد في حدودها الأربع؟ كيف يمكن منع جيش معادٍ من أن يصطف أمام المنازل في المطلة، في حنيتا، في سديروت وبيري، في كاتسرين وأودم في هضبة الجولان؟ هذه الأسئلة، التي كانت مطروحة أيضاً بعد حرب 2006، تظل معلقة من دون إجابة، وكأن المنظومة الإسرائيلية تعاني من عجز هيكلي عن وضع إستراتيجية دفاعية طويلة المدى تتجاوز الردود التكتيكية العاجلة».
مرارة الفشل
وأضاف بعبارة تحمل في طياتها مرارة الاعتراف بالفشل وقسوة الشك في المستقبل: «بعد 20 سنة فقط سيكون يمكن القول ما الذي تعلمناه بعد السابع من أكتوبر 2023».
وتابع «هذه العبارة تعكس شكاً عميقاً في قدرة إسرائيل على التعلم من أخطائها الإستراتيجية المتكررة، وتطرح تساؤلاً مؤرقاً: هل ستظل إسرائيل أسيرة لحلقات الفشل المتكررة، أم أنها ستتمكن أخيراً من كسر دائرة التكرار المؤلم واستخلاص العبر الحقيقية من تجاربها المريرة؟
تكرار الفشل كإستراتيجية
وأكد أنه بعد مرور 20 عاماً على حرب لبنان الثانية، وبعد حربين في غزة (2014 و2023)، وبعد عملية السابع من أكتوبر التي هزت أسس الأمن الإسرائيلي، يمكن القول بثقة إن إسرائيل لم تستفد من دروس الماضي، بل كررت أخطاءها الإستراتيجية ذاتها، بل وعمقتها وأضافت إليها أخطاء جديدة.
وتابع أن "استمرار« سياسة النعامة، وغياب الرؤية السياسية، وتحول القتال إلى استنزاف دموي من دون أهداف واضحة، كلها ليست مجرد أخطاء تكتيكية يمكن تصحيحها بتعديلات طفيفة، بل هي مؤشرات على أزمة إستراتيجية عميقة في المنظومة الإسرائيلية، أزمة تتعلق بالقدرة على التعلم، والقدرة على التخطيط طويل المدى، والقدرة على اتخاذ قرارات صعبة تتجاوز المنطق التكتيكي الضيق".