خلجات

وعاء الحب

تصغير
تكبير

تستقبل حواسُّ الإنسان من المدخلات ما تستقبله يومياً، وما يريد لها صاحبها أن تستقبله، لتُدخل إلى قلبه ما يريد لها أن تُدخله. غير أن الحواس لا تمتلئ امتلاءً حسياً أو معنوياً بمجرد الاستقبال، وإن كانت قد تُظهر الملل من استقبال الشيء نفسه في كل مرة.

ولكن البوصيري قال:

واستفرغِ الدمعَ من عينٍ قد امتلأت

من المحارمِ والزمْ حميةَ الندمِ

إنّ العين ليست وعاءً يُملأ، فإذا امتلأ انسكب ما فيه إلى خارجه، ولكنها قد تملُّ مما نظرت إليه، فتطلب التغيير، أو يشعر صاحبها بالملل. غير أني أظن أن امتلاء العين إنما هو امتلاء القلب بالمدخلات التي طغت على شعوره، حتى بلغ مرحلةً لا يشعر فيها بمجرد الملل من النظر، بل امتلأ بما انطبع فيه، فحُجب عن مشاهدة صورٍ قلبية كان صفاؤه أقرب إلى أن يراها، ليكون نقياً منوراً، يشعر ويدرك ويرى ما لا تراه العين من معاني الحب والحياة والموت والعبادة والسعادة والفهم والقرب والسير، وغير ذلك مما لا يُدرك بقصر النظر إلى ظاهره.

فالحب، مثلاً، قد يراه من امتلأت عينه بالمحارم محصوراً في حدود الجنس الآخر، والغرائز، والشهوات، وهو على رأس القائمة في ذلك كله. والحب أكرم على الله، سبحانه، الذي قال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، من أن يجعله الناس باباً للتلاعب بالأعراض أو مفتاحاً للسفالة أو وسيلةً لتفريغ الغرائز.

ولن يزال الحب، بسموه، يسمو ويترفع، ويدل على ذلك قلة السالكين طريقه؛ فكلما قلَّ الراغبون فيه، وصعب عليهم طريقه، ازدادوا تشويهاً له كذباً، ورضاً بالدنو والانحطاط، وقلَّ مريدوه، واجتهد سالكوه لينالوا حظهم من الحب صفاءً ورفعةً، ويسمو بسمو حبهم، على اختلاف الروابط؛ أكان حباً أسرياً أم أخوياً أم زوجياً أم إلهياً. ولكل طريق رابطته ومقامه ومدركاته، التي يبذل فيها المرء حباً صافياً؛ فيمتلئ حباً، ثم يفيض حباً، على اختلاف ما امتلأ به، والطريقة التي يفيض بها.

أما من امتلأ قلبه بمدخلات حواسه، فلن يفيض إلا قيحاً وقذارة، وإن كان ظاهر كلامه حباً وهياماً، وإن استمتع بما أدخله إلى قلبه وفرح به. فليهنأ بما أسكن قلبه من مدخلات تحتاج منه إلى استفراغ الدمع، ليخرج ما وقر في قلبه من مطبوعات حجبت رؤيته للحقائق، وللمعاني الحياتية، وللعطايا الكريمة.

وأعتقد أن الإنسان أضعف من أن يدرك الحياة واختباراتها، وكيفية الصبر عليها، ليعرف ما إذا كان يُدخل إلى قلبه حواجز تحجبه عن الاستمتاع بحياة يدرك بها عمق وجوده الدنيوي، والتي بها يشعر بارتقاء الروح، وانتقاء المختارات، حتى كأنه ينتقي ما يسمع بقلبه، ويرى بقلبه، ويأكل بقلبه، لا بأذنه، ولا بعينه، ولا ببطنه.

فالاختيار قلب والنظر قلب والسمع قلب؛ ليحب الإنسان بقلبه، لا بجوارح تمتلئ... ثم تمل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي