هل اقترب عصر إعادة بناء البشر عضواً عضواً؟
نجاح زراعة أول رئة بشرية في... مفاعل حيوي!
في تطور علمي من شأنه أن يغير مسار الطب الحديث، نجح باحث من جامعة تكساس الطبية في إعادة نمو رئة بشرية داخل مفاعل حيوي، وذلك في خطوة وصفت بـ«الانطلاقة الكبرى» لعلم الطب التجديدي.
ويعود الفضل في هذا الإنجاز إلى الدكتور مايكل ريدل، الذي كان طالب طب يعاني ضائقة مالية في العام 2010، إذ كان يعيل زوجة وأربعة أطفال، قبل أن يشتري حوض سمك بـ20 دولاراً من متجر للحيوانات الأليفة في مدينة غالفستون الأميركية، ليجد فيه تشابهاً مذهلاً مع تجويف الصدر البشري.
وحوّل ريدل هذا الحوض البسيط إلى أول مفاعل حيوي كبير للرئة في العالم، وهو عبارة عن حجرة مصممة لزراعة رئات حية خارج الجسم. وساعد هذا الجهاز الباحثين على زراعة رئات خنازير معدلة وراثياً تم زرعها لاحقاً في الخنازير، إضافة إلى ما يصفه ريدل بأنها أول رئة بشرية تنمو في المختبر.
وباع التصميم لاحقاً إلى شركة «هارفارد أباراتوس» المتخصصة في معدات المختبرات، وساهم نسخته التجارية في تطوير أحد أكبر طموحات الطب التجديدي: زراعة أعضاء بديلة من خلايا المريض نفسه.
واليوم، أصبح ريدل مديراً تنفيذياً لشركة «ميسوجين» في تكساس، التي تطور علاجات خلوية شخصية. وتتلخص الفكرة التي طورها ريدل وفريقه في إزالة خلايا رئة متبرع لم يعد صالحاً للاستخدام السريري، وغسلها تاركةً وراءها هيكلاً بيولوجياً أبيض شبحياً يحتفظ بشكل العضو، ثم إعادة زرعها بخلايا المتلقي، لتحويل العضو المرفوض إلى بديل شخصي جديد.
ونجح المفهوم بالفعل في الفئران، لكن التحدي الأكبر كان في توسيع نطاق العملية للبشر والحيوانات الكبيرة، إذ كانت عملية إزالة الخلايا من رئة خنزير كبير تستغرق خمسة أشهر، ولم يكن هناك مفاعل حيوي كبير بما يكفي لزراعة رئة.
وجاء الاختراق من خاصية تشريحية غير متوقعة: فالرئتان تطفوان في أي سائل. واستغل ريدل هذه الخاصية بتحويل الرئة إلى وضع مقلوب وربط القصبة الهوائية بأنبوب في قاع الحوض، ما سمح للعضو بالبقاء معلقاً دون ضغط على الأوعية الدموية الدقيقة، وضخ محلول منظف عبر الأوعية الدموية والممرات الهوائية في وقت واحد، ما قلص وقت إزالة الخلايا من خمسة أشهر إلى فترة أقصر بكثير.
وتتمثل أبرز التحديات التي واجهت الفريق البحثي في:
• تصميم مفاعل حيوي كبير بما يكفي لاستيعاب رئة بشرية كاملة، مع الحفاظ على تدفق السوائل والمواد المغذية بشكل متساوٍ
• إزالة الخلايا الأصلية من الرئة المتبرع بها من دون الإضرار بالهيكل البيولوجي الدقيق الذي يحافظ على شكل العضو
• إعادة زرع الخلايا الجذعية للمتلقي بطريقة تضمن تغطيتها لجميع أجزاء الرئة وتمايزها إلى أنسجة وظيفية
• ضمان بقاء الرئة المعاد نموها حية وقابلة للزرع عند نقلها إلى جسم المتلقي
• التغلب على مشكلة الرفض المناعي من خلال استخدام خلايا المريض نفسه، وهو ما يمثل جوهر الطب الشخصي
ويثير هذا الإنجاز تساؤلات عميقة حول مستقبل الطب، إذ يفتح الباب أمام إمكانية إعادة بناء الأعضاء البشرية التالفة باستخدام خلايا المريض نفسه، متجاوزاً بذلك مشكلة رفض الأعضاء المزروعة.
ومع ذلك، يبقى الطريق طويلاً قبل تطبيق هذه التقنية على نطاق واسع، إذ لا تزال التجارب في مراحلها الأولى، وتتطلب مزيداً من الدراسات لضمان السلامة والفعالية. لكن ما تحقق حتى الآن يمثل قفزة نوعية نحو عصر جديد من الطب الشخصي، حيث يمكن للمرضى الحصول على أعضاء بديلة مصممة خصيصاً لهم، ما ينهي معاناة الانتظار الطويل على قوائم زراعة الأعضاء.