يجري الإنسان في مضمار الحياة جريَ العدّاء الذي يستمع إلى أصواتٍ بعيدة من التحفيز، قد لا يكون تشجيعاً له بعينه، بقدر ما يكون استمتاعاً من المتفرجين، وحاجةً منهم إلى الصياح وتفريغ طاقتهم المبرَّرة بالتشجيع. وإن جاء صراخهم بفائدة، فإن العدّاء الذي بذلوا صراخهم لأجله قد جاء بنتيجة، وما سيقومون به من تعبير عن فرحهم، بالقفز والأحضان، ليس إلا تجسيداً للصورة الذهنية التي رسموها للفرح، وإلا فهو وقتٌ قُضي على ما ظنوه مسلياً.
أما الذي يجري، فإنه يقلّب في داخله صوراً قديمة من الإحباط، ومقاومة الواقع، والتركيز على ما ظنه هدفاً، ورفض المحيط له، أو القبول المشروط، وجميع ما حوله، وشعور الرفض المتسيِّد على وجدانه.
وفي المقابل، هناك صوت داخلي يصيح، ويصرخ، ويشجع، ويرشد، ويحفز، ثم يتحشرج، وينكسر، ثم ينخذل ويصمت. هذا الصوت المختلف هو صوت التسليم والرضا. يحتاج هذا الصوت إلى أن يتوقف الإنسان عن الإنصات إلى الخارج، ويتأمل معه، وأحياناً يحاسبه؛ ليرشده إلى الطريق المراد، ثم يترك له مهمة إرشاده إلى التفاصيل أحياناً، وإلى الخطوط العامة أحياناً أخرى.
اتصل بي صديق، وقال إنه رأى في منامه أنه استيقظ من نومه، فوجد في غرفته اثنين قريبين منه، أحدهما طويل، ضخم، قوي البنية، والآخر قصير، هزيل. فقام الطويل الضخم بضرب القصير الهزيل، فجرى القصير هرباً، وجلس في زاوية الغرفة، وأخذ الضخم يضربه، والرائي ينظر إليهما، والضخم منه يضرب الضعيف منه. فصاح الضعيف بصاحبنا قائلاً: أنت السبب، أنت من أعانه عليَّ، وقوّيته، والآن لنرَ إن كنت ستقدر عليه!
ولست مفسراً للمنامات، لكني أظنه ذلك الصراع بين صوتيه الداخليين؛ بين الخير والشر. فقد أعطى لشره صلاحياتٍ ما كان ينبغي أن تُعطى، واستمع إليه وإلى ندائه في أمورٍ لم يكن يحب أن يسمعها، بينما كان صوت الحق، والحب، والخير، والإحسان يصيح، فلا ينصت له، حتى غلب شرُّه خيرَه. وليس ذلك في باب الخير والشر وحده، بل حتى في باب الرضا، والقبول، والميول القلبية والنفسية.
الحياة مليئة بالزحام، وكلٌّ يرى نفسه محفزاً وملهِماً لمن حوله، وأحقَّ وأجدر بتشجيع الجمهور والتفافهم حوله. وكل تائه عن نفسه يتبع تائهاً عن الغايات الإنسانية، ليدور الناس في مضمار مزدحم بالراكضين، ومكتظ بالمشجعين الفارغين، فيكون الصوت الداخلي، خيراً كان أو شراً، غالباً ما يوافقه صوت خارجي من الطرفين أيضاً. ومع صياح الجماهير المحيطة، يجري من يظن نفسه متسابق الطموح، معتقداً أنه سيصل إلى الغاية المرادة. وما إن يقف ليتأمل قليلاً، حتى يجد هناك صوتاً متحشرجاً، لكنه مختلف الطبقة، يقول له: قف، وتراجع، فهذا ليس ميدانك. وغالباً ما يتصل هذا الصوت بصوت خارجي ضعيف جداً، قد ينظر إليه من حوله من الجماهير نظرة لوم أو ازدراء.
الحياة مليئة بمن يظنون أنفسهم متسابقين في مضمار جري، وأن عليهم أن يجمعوا حولهم المشجعين. والمشجعون يتسلون، ويظنون أن متسابقهم يجري لأجلهم، والعدّاء يظن أنهم جاؤوا لأجله، والحقيقة أن لكلٍّ منهم غاية معلنة، وأخرى خفية. وبالمقابل، فإن من يحمل المسؤولية هو العدّاء؛ فإن فاز فهو البطل، وإن لم يفز فهو الفاشل.
وما الحياة إلا رسالة، يدرك فيها المتسابق أن سباقه الحقيقي مع نفسه، وأن عليه أن يميز صوته الداخلي المرشد بين الحق والباطل، وأن الجمهور ليس بكثرته، بل بذلك الصوت المميز، المحب، الصادق، المخلص، ولو كان واحداً. عندها يسهل على الإنسان أن يترك ذلك المضمار الوهمي السخيف، ويخرج منه كاسباً الوصل بين داخله وخارجه برضا وقناعة، ليختار إن كان يصلح لأن يجري، ويعرف من هم منافسوه الحقيقيون، ويميز بين من يتسلى بالتشجيع، ومن يريد له الفوز حقاً في هذه الحياة.
وكلٌّ يمثل دوراً ليس في الحقيقة دوره، وإنما هو دور مزعوم؛ لأنه يريد أن يسمع صراخ الجمهور، لعله استعذبه، أو استعذبته نفسه، أو لأن أحد الصوتين أوهمه بأن صوت الجمهور المتسلي أطرب لمسمعه، وأصدق لوجدانه، فصدقه، لأنه أراد أن يصدق، لا لأن المتحدث كان صادقاً.