«حزب الله» يتلاعب بالشارع ومخاوف من اضطرابات أهلية

«اتفاق إطاري» مع إسرائيل... لبنان يدخل مُنْعَطفاً شديد الحساسية!

«لبنان أولاً» على طريق مطار بيروت
«لبنان أولاً» على طريق مطار بيروت
تصغير
تكبير

- محمد بن زايد لعون: نقف إلى جانب لبنان ومستعدون لمساعدته في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية

دَخَلَ لبنان مُنْعَطفاً شديد الحساسية والخطورة في ضوء أول «تَصادُمٍ» مباشر بين مَسار مفاوضاته مع إسرائيل في الولايات المتحدة الذي بات له إطار ناظم «رسمي» هو الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وُقِّع في واشنطن مساء الجمعة، وبين الطاولة الأميركية - الإيرانية التي تَحْكمها مذكّرة التفاهم التي انطلقت على أساسها مرحلة الـ 60 يوماً في الطريق الشاق الى اتفاقٍ نهائي.

ومع حرْص إدارة الرئيس دونالد ترامب، على الرمي بِثِقْلها الدبلوماسي عبر وزير الخارجية ماركو روبيو، للتفاهم على الاتفاق الإطاري وصولاً لتمديد مفاوضات الأيام الثلاثة 24 ساعة كانت في ختامها الصورةُ التاريخيةُ لتوقيعٍ لم تشهده علاقات بيروت وتل أبيب منذ 1983 (اتفاق 17 مايو)، بدا لبنان غداة هذا الحدَث السياسي - الدبلوماسي عيْناً على مساره التنفيذي الذي لا يخلو من مطبات وأفخاخ، فيما قلبه على ارتداداته المحتمَلة داخلياً في ضوء تَمَحْوُر البنود 14 من «الإطار الثلاثي» في جوهرها حول معادلة انسحاب إسرائيل الكامل مقابل السحب الكامل لسلاح «حزب الله»، واعتبار الحزب أن الاتفاقَ «شيطانيّ» وتَجاوُزٌ لـ «الخطوط الحمر» مْطْلقاً ليل الجمعة ما وُصف بأنه «تمرين» انتفاضةٍ في الشارع بوجه السلطة.

وفيما كان لبنان الرسمي مرتاحاً للاتفاق الذي يَرسم لهدفٍ نهائي مشترك هو «تحقيق سلام وأمن دائميْن» والذي يتضمّن التزاماتٍ «بمسار متبادل ومتدرِّج، وفق تسلسل واضح وشروط محددة، تتولى بموجبه القوات المسلحة اللبنانية بسط سلطة الدولة الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح للقوات الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجاً إلى خارج الأراضي اللبنانية»، فإنّ «غضبة» حزب الله ضد السلطة وتهديده بـ «حرب أهلية» عَكَسَا حجم المخاطر التي تحوط بـ «بلاد الأرز».

وفي وقت كانت بيروت تترقب اتصالاً يُجْريه ترامب، بالرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، يُفترض أن يكون اتضح معه موعد زيارة الأخير للبيت الأبيض، فإنّ عملياتِ «البحث والتحري» في بيروت وعواصم عدة ركّزت على جانبيْن، هما:

- مضمون اتفاق الإطار الممهِّد لمفاوضاتٍ أعمق الذي ستُحدَّد تفاصيل المسار الذي أرساه في ملحق أمني مكمّل.

ولم يَفُتْ «المنقّبين» بين سطور المضمون، الإضاءةَ المزدوجة أولاً على أن «الإطار الثلاثي»، الذي شكلت واشنطن رافعتَه و«كاسحة الألغام» من أمامه بدّد الانطباعَ الذي ساد عقب تسليم الرئيس الأميركي بإدراج وَقْفِ النار في لبنان ضمن البند الأول من مذكّرة التفاهم مع إيران بأن الأخيرة باتت طليقةَ اليد في الملف اللبناني وأن الأخير صار في كنف مسارها، وثانياً على أن هذا الاتفاق سيتحرّك على مسرح عمليات بالغ الدقة هو مسار طهران - واشنطن في ضوء مؤشرات تَصَدُّعه في الساعات الماضية وارتسام معادلة «العنف بالعنف» التي لم تُسْقِط «آتياً قد يكون أعظم».

«ناقوس الخطر»

- وحدود الاعتراض المدوّي للحزب والذي أوحى معه بأن الاتفاقَ حرّكَ «صفائح ساخنة» أخرجتْ «شحناتٍ» شديدة الحمولة التفجيرية إلى سطح الواقع البالغ التعقيد والخطورة لا ينقصها إلا «الضغط على زر» لن يوصل إلا الى فتنةٍ حذّر منها رئيس البرلمان نبيه بري، ببيانٍ مقتضب، لم يعلّق فيه ولو بكلمة على «الإطار الثلاثي» مكتفياً بقرْع «ناقوس الخطر»: «يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة! كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب» مستنداً في ذلك إلى قول الإمام علي بن أبي طالب، الذي يعني أنّه إذا اشتدّت الفتنة لا تجعل نفسك وسيلة يستفيد منها أصحابها، قبل أن يبلور موقفَه أكثر معلناً «اطلعت على مضمون اتفاق الإطار، وقرأته، ورأيت فيه الفتنة».

وفي مضمون الاتفاق استوقف دوائر سياسية ما ورد في البند الرابع، لجهة أن «حكومة الجمهورية اللبنانية تلتزم إعادة ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقَّق منه لكل الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وضمان عدم امتلاكها أي قدرات مسلحة في أي مكان على الأراضي اللبنانية. وبموجب هذا الإطار، تطلب حكومة الجمهورية اللبنانية دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب، بقيادة الولايات المتحدة، لتحقيق هذه الغاية».

وركّز لبنان على اعتبار الاتفاق «خطوة أولى على طريق استعادة لبنان لسيادة دولته على أراضيه كاملة، غير منقوصة ذرة، وعودة اللبنانيين» إلى أرضهم المحررة كاملة، وإلى بيوتهم المعمرة حتماً في ظل سيادة دولة لبنانية لا شريك لها في سيادتها على أرضها وشعبها، كما قال عون«فلا يكون بعد احتلال ولا أسرى ولا تبعية ولا وصاية».

«ضربة كبيرة لإيران»

وفيما رأت إسرائيل أن الاتفاق «ضربة كبيرة لإيران» ويفتح الطريق أمام إنهاء دور حزب الله العسكري وتقليص النفوذ الإيراني، ويًراعي رَبْطَها الانسحابَ بسحْب سلاح الحزب وفق ما عبّر عنه إطلاق مرحلتين تجريبيتين تشملان انسحاباً تدريجياً من مناطق محددة داخل«المنطقة الأمنية»والأهمّ خارجها وهو ما سُمي في تل أبيب بـ«بروتوكول شمال الخط الأصفر» الذي يَضْمن انطلاق قطار سحْب لبنان السلاح شمال الليطاني، أكّدت واشنطن أن الاتفاق يمثل محطة أساسية في جهودها لتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة، وسط رصْدٍ للدور الأميركي في المسار التنفيذي وهل سيكون عبر مشاركة تقنية - عسكرية في بعض الترتيبات الميدانية.

«حزب الله»

أما اعتراض الحزب فعبّر عنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، ببيان استنكر فيه الاتفاق الذي وصفه بأنه «مذلة وعار وسقطة مريعة وخطيئة كبرى»، معتبراً أن «ربْطَ الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة من كل لبنان طرحٌ خطير جداً يتجاوز كل الخطوط الحمراء، ويجعل لبنان ألعوبة بيد العدو الإسرائيلي».

وتابع «هذا الاتفاق منعدم الوجود، ويجب تطبيق مندرجات مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية (...) لم نترك الميدان في أصعب الظروف ولن نتركه».

أما رئيس كتلة نواب الحزب محمد رعد، فاعتبر «أن البيان الذي صدر في شأن الاتفاق في واشنطن عبّر عن خضوع السلطة اللبنانية بالكامل لمنطق الوصاية الأميركية، وتواطئها مع العدو الإسرائيلي ضد شعبها (...) والبيان مشؤوم ومرفوض جملةً وتفصيلاً، ويمثل نعيق بوم في لبنان والمنطقة (...) حمى الله لبنان واللبنانيين».

وسرعان ما أثار موقف «حزب الله» و«عرض القوة» الشعبي في الشارع خصوصاً في بيروت وأمام السرايا الحكومية ليل الجمعة، أسئلة حول هل يملك الحزب ومِن خلفه إيران مصلحة في «قلب الطاولة» على الحكومة في لبنان والإطاحة بها رداً على ما يَعتبرونه «انقلاباً أميركياً» على مسار إيران وملامح استخدامه من ترامب، لقضم موازٍ لأذرعها عبر مضمون الاتفاق الاطاري، أم أن الرئيس الأميركي نجح في حشْر طهران بحيث أن مسار سويسرا بات يشكل كابحاً لأي جرعةٍ زائدة في الخطوات في لبنان عبر إسقاط السلطة الحالية؟

ووفق مصادر سياسية فإن المصلحة الإيرانية بإسقاط الحكومة موجودة نظرياً، لكن التكلفة اليوم باتت تتجاوز العائد، والاتفاق الإطاري بربْطه الانسحاب الكامل بنزع سلاح الحزب من كل لبنان يعني أن القبول به يساوي الاستسلام التدريجي، والرفض يساوي إبقاء الاحتلال، معتبرة«أن قلب الطاولة على الحكومة أو تعطيل المؤسسات، سيُقرأ دولياً وعربياً ولبنانياً على أنه تخريب مكشوف في لحظة حرجة، والثمن المرجّح ليس ضغطاً دبلوماسياً بل احتمال انهيار مسار التفاوض الايراني ما يضع طهران في موقع مَن يخسر ورقة ضغط ذهبية تملكها».

وبحسب هذه الأوساط فإن ترامب، نجح في جعل مسار إسلام آباد وسويسرا رهينةً لحسن سلوك إيران في المنطقة كما في لبنان، بحيث باتت أي حركة عدائية في لبنان تعني تعليق مسارها بالحدّ الأدنى، هي التي تحتاج في مرحلة ما بعد ضربات البنية التحتية التقاط أنفاسها ربما توطئة لجولات حرب جديدة، فيما يبدو أن ترامب، سيحشرها تباعاً في مفاضلة بين أيهما تريد أكثر الاتفاق – الاوكسيجين لها أم الورقة اللبنانية، لافتة الى أن الاتفاق الإطاري بهذا المعنى ليس وثيقة سياسية - أمنية فحسب، بل هو أداة فصل بين إيران وذراعها اللبنانية بلحظة إيران فيها أكثر هشاشة منذ عقدين.

ورأت الأوساط «أن طهران في أي خطوة في لبنان تحسب الكلفة على مستوى إقليمي لا لبناني»، معتبرة «أن مضمون الاتفاق الإطاري لجهة «نزع سلاح الجماعات غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية» يمثل آلية قضم تدريجية (عبر مراحل ومناطق تجريبية) وليس ضربة قاضية واحدة؛ وهذا الأسلوب المرحلي يتيح لحزب الله وطهران تأخير اتخاذ قرار بـ «تفجير كل شيء» مرة واحدة خصوصاً أنه يملك «مفاتيح» إفشال المسار التنفيذي»، متسائلة هل يَعتمد الحزب على إستراتيجية التعطيل الممنهج والقضم المضاد من داخل المؤسسات، والضغط في الشارع لمنع تسييل«المناطق التجريبية»أمنياً، والسؤال الأعمق «إلى متى يَصمد هذا الكابح إذا تعثّر مسار سويسرا ؟».

في هذا الوقت تلقى عون، اتصالاً من رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي أكد وقوف بلاده الى «جانب لبنان ودعمه للمواقف التي يتخذها الرئيس عون، والحكومة، والاستعداد لمساعدة لبنان في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يمكّنه من تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها».

وشكر عون للشيخ محمد بن زايد دعمه، مقدّراً ما تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة تجاه لبنان وشعبه في المجالات كافة متمنيا لها دوام الاستقرار والمنعة والتقدم.

مساعدات أميركية للبنان

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، أن الولايات المتحدة عازمة على تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية لتمكينها من ترسيخ سيادة الدولة بفعالية أكبر، مؤكدة تقديم مساعدات إنسانية فورية للبنان بقيمة 100 مليون دولار بالتنسيق مع الأمم المتحدة، إلى جانب مواصلة انخراطها الكامل في تنفيذ الاتفاق الإطاري وتخصيص موارد كبيرة لدعمه.

وأوضحت أن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل يوفر مساراً حقيقياً للخروج من أزمة طال أمدها، وينص على تشكيل مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية خاصة بلبنان بتيسير من الولايات المتحدة، بما يتيح لإسرائيل التحقق من إزالة التهديد على حدودها الشمالية والعودة إلى حدودها فور زواله.

وأضافت أن الاتفاق يؤسس لعملية منظمة تهدف إلى استعادة سيادة الدولة اللبنانية، ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، معتبرة أن لبنان وإسرائيل اتخذا «قراراً شجاعاً» بالموافقة على إطار العمل الذي يمهد للخروج من دوامة الصراع.

وأكدت واشنطن أنها ستواصل العمل مع شركائها لتنفيذ الاتفاق الإطاري وتحقيق مستقبل أكثر أمناً لكل من لبنان وإسرائيل والمنطقة، فيما أعلن البنتاغون استعداده لتقديم أكثر من 30 مليون دولار لدعم الجيش اللبناني في إطار جهود ترسيخ السلام الدائم.

الشيباني سيزور بيروت لبحث الملفات العالقة

يُرتقب أن يقوم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بزيارة للبنان الأسبوع الطالع، حيث يلتقي رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب عدد من المسؤولين اللبنانيين.

ونقل تلفزيون سوريا عن مصادر رئاسية لبنانية، أن الزيارة تأتي في إطار إعادة تنظيم العلاقات الرسمية، وبحث ملفات الحدود، والتعاون الاقتصادي، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية.

وأضافت المصادر أن لقاء الشيباني، مع بري، سيكون «أول اجتماع بين مسؤول سوري وقيادي شيعي لبناني منذ سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، في خطوة تهدف إلى توسيع قنوات التواصل مع مختلف القوى اللبنانية وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية».

وأوضحت أن الزيارة تأتي أيضاً استكمالاً للمواقف التي أعلنها الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن لبنان، وتهدف إلى تأكيد دعم دمشق لبيروت، إلى جانب بحث سبل تعزيز التنسيق لضبط الحدود ومكافحة التهريب، وتطوير التعاون في مجالات الطاقة والكهرباء والنقل البري، وتفعيل عمل اللجان المشتركة بين البلدين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي