الجيش الإسرائيلي يقتل مواطنيه... شهادات وتحقيقات تكشف الفشل الذريع في 7 أكتوبر
- «طوفان الأقصى»... النيران الصديقة و«تعليمات هنيبعل»
- مروحية «أباتشي» استهدفت المشاركين في مهرجان «نوفا»
- 200 من أصل 364 جثة عُثر عليها كانت محترقة بالكامل
- رئيس «الشاباك» يطلب إزالة النصب التذكاري لتجنّب «التذكير الدائم بالهزيمة»
- مقاتلو «حماس» لم يكونوا على علم بإقامة مهرجان «نوفا» الموسيقي... أصلاً
كشفت تحقيقات إسرائيلية رسمية وشهادات طيّارين ومحققين، أن قسماً كبيراً من القتلى الإسرائيليين بهجوم «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023، بمَنْ فيهم مستوطنون ومشاركون في مهرجان «نوفا» الموسيقي، سقطوا بنيران قواتهم، وتحديداً بصواريخ وقنابل مروحيات «أباتشي» العسكرية، في مشهد يُجسّد الفوضى القاتلة التي عمّت المؤسسة العسكرية في ذلك اليوم.
وكشف طيّارو «أباتشي»، في شهادات نُشرت في كتاب «War Machine» وفي مقابلات مع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أنهم واجهوا أزمة أخلاقية وقانونية هائلة: القصف داخل الأراضي الإسرائيلية، وهو أمر محظور في الأوقات الاعتيادية.
الطيّار الاحتياطي المقدم «تافور» من سرب 113، والذي كان من أوائل الطيّارين الذين وصلوا إلى المنطقة، روى كيف أطلق صاروخاً بالقرب من مقر فرقة غزة في نحو الساعة الثامنة صباحاً، من دون انتظار إذن واضح.
وذكر «أعلنت للجميع أنهم عبروا السياج، وأن هناك إرهابيين على أراضينا، وأنني أطلقت النار بالفعل داخل الأراضي الإسرائيلية. قلت ذلك لكسر الحاجز النفسي لدى الطيّارين الآخرين ضد إطلاق النار على جانبنا من الحدود».
هذا القصف لم يكن موجّهاً فقط ضد المسلحين (حماس)، بل طال مناطق كان يتواجد فيها مستوطنون، بما في ذلك المئات الفارّين من مهرجان نوفا.
واعترف «تافور» بأنه أثناء عودته لإعادة التزوّد بالوقود والذخيرة، شاهد قوافل من السيارات الإسرائيلية، مئات السيارات، بعضها يقود والبعض الآخر عالق في الزحام، ولم يكن لديه أي فكرة عما تفعله هذه المركبات هناك... اعتقد انهم من «حماس».
لم نميّز بين عدو وصديق
وأقرّ قائد سرب 190، المقدم «أ»، بأنّه في خضم الفوضى، كان من المستحيل تمييز المسلّحين عن الجنود أو المستوطنين المسلحين، قائلاً «ترى شخصاً مسلحاً يتحرك بتكتيك، وعليك أن تقرّر بنفسك. لم يكن هناك أحد على الأرض يخبرنا... من هو من».
ووصف كيف أطلق صاروخاً على شاحنة قرب كيبوتس كفار عزة، لكنه أدرك بعد ثلاث ثوانٍ فقط من انطلاق الصاروخ أن الشاحنة مغلقة، مما زاد من شكوكه، فقرر تحويل مسار الصاروخ بعيداً عنها في اللحظات الأخيرة.
كما كشف عن حادثة مروّعة أخرى، حيث أطلق النار على سيارة إسعاف على الجانب الغزي من السياج، معترفاً بأنه لم يكن متأكداً مما إذا كان الجريح فيها رهينة إسرائيلياً أو مقاتلاً من «حماس»، واصفاً إياها بأنها «أعظم معضلة واجهتها كمقاتل جوي».
تطبيق «تعليمات هنيبعل»
في نوفمبر 2023، نشرت صحيفة «هآرتس» تحقيقاً مفاجئاً كشف، استناداً إلى تحقيق للشرطة الإسرائيلية، أنّ مروحية أباتشي هي التي قصفت المشاركين في مهرجان «نوفا» الموسيقي بالقرب من كيبوتس رعيم، مما أدى إلى مقتل 364 شخصاً.
وأوضح التحقيق أن مقاتلي حماس لم يكونوا على علم بإقامة المهرجان أصلاً، وقدّروا أن قرار إقامته يوم السبت في اللحظة الأخيرة هو ما أدى إلى عدم معرفة الحركة به، لكن وصول المروحية الإسرائيلية وإطلاق النار العشوائي تسبّب في سقوط العدد الأكبر من الضحايا، مشيراً إلى أن 200 من أصل 364 جثة عُثر عليها كانت محترقة بالكامل، بينما لم يكن للمقاتلين الفلسطينيين أسلحة ثقيلة قادرة على إحداث ذلك.
«منطقة إبادة»
وكشفت تحقيقات «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت»، أن الجيش فعّل «تعليمات هنيبعل» (التي تهدف إلى منع أسر الجنود بأي ثمن، حتى لو أدى ذلك إلى قتل الأسير)، وذلك في نحو الساعة 10:19 صباحاً في قاعدة رعيم العسكرية.
صدرت أوامر لقوات الجيش والطائرات بـ «منع أي مركبة من العودة إلى قطاع غزة»، مما يعني استهداف السيارات التي تقلّ رهائن إسرائيليين، سواء كانوا جنوداً أو مدنيين، لأنّ «الجميع فهم أن معناه هو منع عودة أي مركبة إلى غزة، حتى لو كانت تحمل أسرى».
كما صدر أمر آخر في الساعة 10:32 يقضي بـ «إطلاق قذائف الهاون باتجاه المسار»، أي نحو الحدود، محوّلاً المنطقة بأكملها إلى «حقل نار»، مما أدى إلى مقتل كل مَنْ كان موجوداً هناك، سواء كان مسلحاً أو مدنياً فاراً، وأقرّ مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه القرارات ستظل «مسؤولية كبار القادة طوال حياتهم».
مسؤولية الجيش
اللواء الاحتياط دادي سيمحي، والد الجندي غاي سيمحي الذي قُتل في 7 أكتوبر، والضابط السابق في فرقة غزة، قال في مقابلة إذاعية «المذبحة التي حدثت في 7 أكتوبر، 1200 قتيل في 8 ساعات، ليست مشكلة أي حكومة... إنها مشكلة مهنية للجيش والشاباك».
وأضاف «لا أفكر للحظة أن هناك خيانة أو مؤامرة، لكننا بحاجة إلى التحقيق في المستوى العسكري أكثر من المستوى السياسي...».
فشل سلاح الجو
وكشف تحقيق قاده العميد الاحتياط أورين سليمان، أحد كبار المحققين في إخفاقات الجيش، عن أخطاء فادحة لسلاح الجو، حيث تأخرت الطائرات في الإقلاع والهجوم لمدة تقارب ثلاث ساعات، رغم أن أوامر الضرب صدرت في الساعة 7:10 صباحاً، لكن الطائرات لم تهاجم حتى الساعة 10:30.
وأقرّ قائد سلاح الجو السابق تومر بار قائلاً «فشلنا... لم نكن فعالين بما يكفي لأننا لم نكن مستعدين لهذا السيناريو».
هزيمة أخلاقية وعسكرية
يكشف الجدل حول النصب التذكاري لقتلى جهاز «الشاباك»، وشهادات طيّاري «أباتشي»، وتحقيقات الصحف الكبرى، عن حقيقة مرّة يعيشها المجتمع الإسرائيلي: في 7 أكتوبر، لم يقتصر الفشل على الاستخبارات التي لم تحذّر، بل امتدّ إلى الرد العسكري الفوضوي الذي حوّل المستوطنات ومهرجانات غلاف غزة المحاصرة إلى ساحات قتل، وأسقط المئات من المستوطنين بنيران الجيش، مما يؤكد رواية «حماس» ويكذب رواية الاحتلال عن قتل النساء والأطفال.
إصرار رئيس «الشاباك» على إزالة النصب التذكاري بحجة تجنّب «روح الهزيمة»، وإحجام المؤسسة العسكرية عن محاسبة قادتها، لا يمحوان تلك الحقيقة، بل يثبتان أن جرح 7 أكتوبر ليس مجرد جرح أمني، بل جرح أخلاقي ووجودي غائر في نسيج دولة الاحتلال والمؤسسة العسكرية، وهو جرح لن يندمل من دون اعتراف كامل وشفاف بهذه الكارثة التي صنعها الاحتلال بنفسه وبقطاع غزة الذي دمر الاحتلال 85 في المئة منه بحجج كاذبة وفرية دم مكشوفة ومعروفة له قبل العالم.