غزة والضفة... صرخة إنسانية تحت وطأة العدوان

مستشفيات غزة تعاني من نقص كبير في المستلزمات الطبية
مستشفيات غزة تعاني من نقص كبير في المستلزمات الطبية
تصغير
تكبير

- 8 شهداء و20 إصابة... ومرضى الكلى في غزة على حافة الموت
- أبوسلمية: أيعقل أن يخسر 650 مريض غسيل كلى حياتهم بسبب مادة لا يتجاوز ثمنها دولاراً واحداً؟

في خضم صمت دولي مطبق، يواصل قطاع غزة كتابة فصول مأسوية من معاناة إنسانية لا مثيل لها، بينما تتواصل في الضفة الغربية مشاهد القتل والسلب والقمع والاعتقالات اليومية، وفي عرض البحر ترفع سفينة «حنظلة 2» شراع الأمل محملة برسالة تضامن أوروبي.

ثلاثة مفاصل تتقاطع اليوم في مشهد واحد: دماء الشهداء التي ترسم خرائط الألم على رمال غزة، وصيحات مرضى الكلى الذين ينتظرون الموت بسبب مادة لا يتجاوز ثمنها دولاراً، ونداءات الحرية التي تنطلق من سفينة مدنية في مياه الشمال الباردة.

بين هذه المفاصل الثلاثة، يظل السؤال الفلسطيني: إلى متى تستمر هذه المعاناة؟ وإلى متى يظل العالم متفرجاً على إنسانية تتداعى أمام أعينه؟

في تحديث مأسوي للحصيلة اليومية، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، مساء السبت، أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الـ 24 الماضية، 8 شهداء و20 إصابة، جراء استمرار العدوان الإسرائيلي، لترتفع الإحصائية التراكمية للضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 73051 شهيداً، و173437 مصاباً.

الموت بـ«دولار واحد»

في تطور يُنذر بكارثة صحية إضافية، لم يعد الخطر الذي يُهدد مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة مقتصراً على القصف أو انهيار المستشفيات، بل بات مرتبطاً بنقص مادة طبية لا يتجاوز ثمنها دولاراً واحداً. فمع نفاد مادة «البيكربونات» الأساسية لتشغيل أجهزة غسيل الكلى، دخل مئات المرضى مرحلة بالغة الخطورة.

ويقول الدكتور محمد أبوسلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، في نداء استغاثة «أيعقل أن يخسر 650 مريض غسيل كلى حياتهم بسبب مادة البيكربونات التي لا يتجاوز ثمنها دولاراً واحداً»؟

وقد بدأت المستشفيات بالفعل بتقليص جلسات غسيل الكلى من أربع ساعات إلى ساعتين ونصف ساعة، ومن ثلاث جلسات أسبوعياً إلى جلستين، في محاولة يائسة لإطالة أمد ما تبقى من المستلزمات الطبية.

أجهزة مهددة بالتوقف

ولا تقتصر المأساة على مادة البيكربونات وحدها، بل تمتد إلى الأجهزة ذاتها ومحطات تنقية المياه التي تعتبر شرياناً لتشغيلها. فبحسب المدير العام لقسم الهندسة والصيانة في وزارة الصحة مازن العرايشي، فإن أقسام الكلية الصناعية في مستشفيات القطاع (مجمع الشفاء، مستشفى الأقصى، ومجمع ناصر الطبي) تقف على حافة التوقف التام، في ظل منع الاحتلال إدخال قطع الغيار والفلاتر اللازمة للصيانة الدورية، ما يهدد حياة نحو 700 مريض كلى فلسطيني.

اعتقالات وإغلاقات واعتداءات

وفي الضفة الغربية المحتلة، يواصل الاحتلال تصعيده الممنهج، حيث سجلت سلسلة من الاقتحامات والاعتقالات والاعتداءات التي تستهدف الفلسطينيين في حياتهم اليومية وممتلكاتهم وحركتهم.

فقد شهدت قرية برقا شرق رام الله، هجوماً للمستوطنين، أحرقوا خلاله نحو 10 دونمات مزروعة بأشجار زيتون، بالتزامن مع اقتحام الجيش القرية واعتقال عدد من الشبان.

وقال رئيس مجلس قروي برقا صايل كنعان، إن قوات الاحتلال احتجزت أكثر من 50 فلسطينياً قبل أن تعتقل 12 شاباً.

وصباح السبت، أغلقت قوات الاحتلال مداخل بلدات عدة شمال غربي رام الله.

وتشهد الضفة تصعيداً عبر جيش الاحتلال والمستوطنين، أسفر عن استشهاد 1.173 شخصاً، وإصابة 12666، واعتقال نحو 23.000، وتهجير 33.000، منذ 8 أكتوبر 2023.

رسالة تضامن من قلب أوروبا

في سياق التحركات التضامنية، تواصل سفينة «حنظلة 2»، التي انطلقت من السويد ضمن مبادرة تضامن أوروبية، رحلتها عبر الموانئ الاسكندنافية، في إطار مساعٍ للوصول إلى قطاع غزة المحاصر وإيصال مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين.

أبحرت السفينة في 14 مايو الماضي من مدينة مالمو جنوب السويد، ضمن مشروع «الإبحار إلى غزة» الذي تقوده مجموعات مدنية من السويد والنروج والدنمارك، على أن تنضم في سبتمبر المقبل إلى «الأسطول العالمي للصمود» المتجه إلى القطاع.

وقالت ممثلة مشروع «الإبحار إلى غزة» في السويد، جانيت إسكانيلا، إن السفينة أنهت في 15 يونيو جولتها في الموانئ السويدية، وتواصل حالياً إبحارها نحو السواحل النروجية والدنماركية، وستبقى حتى نهاية يوليو في أحد الموانئ جنوبي الدنمارك، قبل أن تتابع رحلتها عبر البحر المتوسط.

وأكدت أن الهدف الرئيس للمبادرة يتمثل في إنهاء الحصار، مشيرة إلى أن رسو السفينة في عدد من الموانئ الاسكندنافية يهدف إلى إبقاء الاهتمام الدولي مركّزاً على الأوضاع الإنسانية في القطاع.

وأضافت أن القائمين على المشروع يأملون في أن تدفع هذه التحركات السلمية حكوماتهم إلى اتخاذ خطوات عملية للضغط من أجل وقف الإبادة الجماعية.

يُذكر أنه في 18 مايو، هاجمت القوات الإسرائيلية 50 قارباً تابعاً لـ«أسطول الصمود» في المياه الدولية بالبحر المتوسط، كان على متنها 428 ناشطاً من 44 دولة، واعتقلت جميع المشاركين - وهو ما يطرح مجدداً أسئلة حول حرية الملاحة وحق التضامن الإنساني في المياه الدولية.

المفاوضات... تعقيدات سياسية

في السياق السياسي، قال الناطق باسم «حماس» حازم قاسم، إن وفداً من الحركة، إلى جانب ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، سيزور القاهرة خلال الأيام المقبلة لتسليم الرد على المقاربات الجديدة المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة.

وأضاف أن الاتصالات لاتزال مستمرة للتوصل إلى آليات تضمن التطبيق الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار، واستكمال ما تبقى من المرحلة الأولى، والانتقال إلى المرحلة الثانية، مشيراً إلى أن الفصائل توصلت خلال جولة الحوار الحالية مع الوسطاء (مصر، قطر، وتركيا) إلى «مقاربات مقبولة» في شأن القضايا الشائكة في الاتفاق.

في سياق متصل، كشف مصدر فصائلي فلسطيني، أن القوى الوطنية والإسلامية وجهت قبل أكثر من شهر رسالة رسمية إلى لجنة إدارة غزة دَعَتْها فيها إلى دخول القطاع والبدء في ممارسة مهامها، إلا أن اللجنة أبلغت الفصائل أن دورها يقتصر على الجوانب الإدارية، وأنها لا تتعامل مع التنظيمات أو الفصائل الفلسطينية.

كما أنها لم تتمكن من دخول القطاع رغم مرور أكثر من خمسة أشهر على تشكيلها، ولا تملك النفقات ولا ميزانية تشغيلية، في ظل اتهامات فلسطينية لإسرائيل وللممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف برفض تمكينها من مباشرة عملها داخل القطاع.

يأتي ذلك، في وقت لاتزال قوات الاحتلال تشترط «حصر السلاح» قبل تنفيذ بنود الاتفاق في المرحلتين الأولى والثانية، وتتمسك إسرائيل بتسليم الأسلحة لقوات الاستقرار الدولية التي يفترض تشكيلها، بينما تطالب الفصائل الفلسطينية بوقف المجازر والقتل اليومي والانسحاب وفق المرحلة الأولى والثانية، وربط مسألة السلاح بلجنة وطنية وعربية تتولى تسليمها السلاح الخفيف لها أو للسلطة الفلسطينية وذلك بعد انسحاب جيش الاحتلال الكامل من القطاع.

مفترق طرق

تقف فلسطين اليوم على مفترق طرق إنساني وسياسي خطير، حيث تتقاطع ثلاث صور متلاحقة... صورة الطفل الذي يلفظ أنفاسه تحت الأنقاض في غزة، وصورة مريض الكلى الذي ينتظر جرعة بيكربونات لا تتجاوز قيمتها دولاراً واحداً، وصورة الناشط الأوروبي الذي يرفع شراع سفينته في المياه الباردة محاولاً كسر الحصار.

هذه الصور الثلاث ليست منفصلة، بل هي وجوه متعددة لقضية واحدة: فلسطين التي تنزف كل يوم، والعالم الذي يكتفي بالمشاهدة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي