من الخميس إلى الخميس

إيران وصناعة الصورة البديلة

تصغير
تكبير

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد المعارك تُخاض في الميدان وحده، بل أصبحت تُخاض أيضاً في الفضاء الإلكتروني، حيث تُصنع الروايات وتُعاد صياغة الوقائع وتُسوَّق الهزائم على أنها انتصارات، ولعل أكبر سوق للارتزاق السياسي والإعلامي في عصرنا هو سوق التواصل الاجتماعي، ذلك السوق الذي تُشترى فيه الأقلام والآراء والخبراء والمؤثرون لتجميل صورة الواقع أو إخفاء عيوبه.

ومن بين أبرز النماذج التي تستحق التأمل، بهذا الشأن، التجربة الإيرانية، فبينما تواجه إيران تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، وقد خرجت من حرب مدمّرة، كانت أجواؤها مفتوحةً دون مقاومة وكشفت للجميع أنها مجرد نمر من ورق لا تملك سوى صواريخ ترسلها على جيرانها دون تأثيرات حربية تُذكر، كما يعاني ملايين الإيرانيين من الفقر ويواجهون ضغوطاً معيشية وتضخماً وتراجعاً للقوة الشرائية بل وانهيار عملتها تماماً.

بينما تواجه إيران كل ذلك نجد، من جهة أخرى، أن آلة الدعاية لديها ولدى تابعيها لا تتوقف عن تقديم صورة مغايرة تماماً للواقع، وكأن الهدف ليس معالجة المشكلات، بل إقناع الجماهير بأن المشكلات غير موجودة أصلاً، الأخطر من ذلك أن بعض أوجه هذا الخطاب لم تبق داخل الحدود الإيرانية، بل امتدت إلى عدد من الدول العربية عبر شبكات سياسية وإعلامية وأحزاب تدور في الفلك الإيراني، وهكذا أصبح تصدير السرديات جزءاً من تصدير النفوذ، حتى بدت بعض المجتمعات العربية وكأنها تستورد الأزمات والانقسامات والشعارات ذاتها التي عطّلت التنمية وأخّرت بناء الدولة الحديثة.

وفي كل مرة تقع مواجهة سياسية أو عسكرية أو يتم توقيع تفاهم أو اتفاق، تنطلق ماكينة الترويج لتقديم النتيجة باعتبارها نصراً تاريخياً مهماً مخالفاً للواقع المرير؛ فمذكرة التفاهم تصبح فتحاً مبيناً، والحرب المدمرة تتحول إلى انتصار إستراتيجي، والخسائر تُقدَّم باعتبارها إنجازات؛ المهم ليس ما حدث فعلاً، بل كيف يمكن تسويقه للجمهور.

ولا تكتمل هذه العملية إلا بوجود ما يمكن تسميته بــ«سلسلة إعادة التدوير الإعلامي».

فهناك دائماً بيننا للأسف من يتولى إعادة نشر الرسائل وتضخيمها وتكرارها حتى تبدو وكأنها حقائق مستقرة، بعضهم تحركه المصالح السياسية، وبعضهم الولاءات الأيديولوجية، وبعضهم ينجرف خلف العاطفة أو الرغبة في تصديق ما يُحب سماعه.

لكن الواقع يبقى أكثر عناداً من الدعاية، فالواقع يُقاس بمستوى دخل الأسرة، ونوعية التعليم، وكفاءة المستشفيات، وفرص العمل، وأمن المواطن، وقوة المؤسسات؛ أما الجيوش الإلكترونية فلا تستطيع رفع مستوى المعيشة، ولا التغريدات قادرة على خفض معدلات التضخم، ولا الشعارات تصنع اقتصاداً منتجاً.

إنّ المشكلة الكُبرى في عالمنا العربي اليوم ليست نقص المعلومات، بل وفرة المعلومات المُضلِّلة، فبينما يرى المواطن بعينه الفقر والتراجع والبطالة واهتراء الخدمات في الدول التي تدور مع إيران يجد على شاشة هاتفه رواية أخرى تتحدث عن القوة المطلقة والإنجازات الأسطورية والانتصارات المتلاحقة.

وهكذا تنشأ فجوة خطيرة بين الواقع والصورة، وبين الحقيقة والدعاية.

لقد علّمتنا تجارب التاريخ أن الدول لا تتقدم بتجميل صورتها، بل بإصلاح واقعها. وأن الأمم التي تُنفق مواردها على صناعة الوهم بدلاً من معالجة المشكلات قد تنجح لبعض الوقت في خداع الآخرين، لكنها في النهاية تخدع نفسها أولاً، وعندما يأتي موعد الحساب، لا تتحدث الحملات الإعلامية ولا الجيوش الإلكترونية، بل يتحدث الواقع وحده، وهو الشاهد الذي لا يمكن شراء صمته.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي