إسرائيل تُعيد تعريف «الجبهة الداخلية» بتوسيع الاستيطان
- كيف يمكن الدفاع عن «وطن» يُبنى على أرض غيره وينتهك كل مواثيق الشرعية الدولية؟
- رؤية نتنياهو... ترسيخ الاحتلال والاستيطان كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي
- يدلين الاستيطان ينسف أي إستراتيجية للفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين ويقودنا إلى دولة ثنائية القومية أو عنف أبدي
- 60 في المئة من المستوطنات لا قيمة أمنية لها... أقيمت للتوسع المدني وسرقة الأراضي
- «نظام الفصل العنصري» يحرم الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير
- الاستيطان... القاتل الصامت لحل الدولتين
- القانون الدولي ينظر إلى الاستيطان باعتباره جريمة حرب
كشف مركز القدس للإستراتيجية والأمن الإسرائيلي، الثلاثاء، عن وثيقة سياساتية حملت عنوان «المعركة على الوطن»، من إعداد العقيد الاحتياط البروفيسور غابي سيبوني والعميد الاحتياط إيريز فينر.
غير أن ما يثير القلق العميق في هذه الوثيقة، التي تزعم تقديم قراءة أمنية وعسكرية، أنها تنطوي في جوهرها على برنامج فكري متكامل يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم «الجبهة الداخلية» الإسرائيلية، محولة المستوطنات في الضفة الغربية والجليل والنقب إلى ما تصفه بـ«خطوط دفاع متقدمة» في معركة وجودية وهمية.
هذه الوثيقة، على رصانتها الأكاديمية المزعومة، لا تعدو كونها بيان نوايا استيطانياً يهدف إلى تغليف الاحتلال بشرعية أمنية، متجاوزاً كل القيود التي تفرضها مواثيق القانون الدولي والاتفاقات الموقعة.
بل الأكثر خطورة أنها تحاول طمس التناقضات الصارخة بين السردية الإسرائيلية المروجة إعلامياً، والحقيقة القانونية الماثلة، والمواقف الدولية الرسمية، لتضع نفسها كأكبر عقبة في وجه أي تسوية سياسية مستقبلية.
تفكيك الأسس الثلاثية للتقرير الاستيطاني
اعتمد التقرير في بنيته الفكرية على ثلاث ركائز أساسية، تحاول كل منها إضفاء شرعية موهومة على المشروع الاستيطاني، غير أن كل ركيزة تصطدم بأسوار من الحقائق القانونية والتاريخية التي تدحضها:
1 - التلفيق التاريخي بين «هاشومير» و«العمق الإستراتيجي»
يمضي الكاتبان في استدعاءات تاريخية تبدأ من عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مروراً بتشكيل منظمات «هاشومير» و«الهاغاناه»، وصولاً إلى نكبة 1948 التي صاغ خلالها إيغال آلون نظريته حول المستوطنات باعتبارها «عمقاً إستراتيجياً بديلاً»، إثر تهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني من ديارهم قبل وخلال النكبة.
ويحاول التقرير بهذا الموروث تقديم الاستيطان كجزء من «الحمض النووي الدفاعي» لإسرائيل، وكأنه قيمة وجودية لا يمكن المساس بها.
غير أن هذا الطرح التاريخي يسقط في فخ التناقض القانوني الأكبر: فما تحدث عنه آلون، كان في أراضي فلسطين الانتدابية قبل تقسيم 1947، أما المستوطنات الحالية فقائمة في أراضٍ احتُلت عام 1967، وهي أراضٍ لا تملك إسرائيل أي سيادة عليها.
فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في يوليو 2024 كانت واضحة وحاسمة في اعتبار نقل السكان الإسرائيليين إلى الضفة والقدس الشرقية انتهاكاً صريحاً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تجرم توطين المدنيين في أراضٍ محتلة.
2 - خلط متعمد بين التهديد الداخلي والاستيطان الخارجي
خصص التقرير حيزاً كبيراً لوصف أحداث مايو 2021 وتداعيات السابع من أكتوبر 2023، ليقدم صورة مشوهة عن «ثغرات أمنية» في المدن المختلطة والجليل والنقب وعكا وحيفا والناصرة، محاولاً ربطها بالاستيطان في القدس والضفة المحتلة. ويطالب بتسليح المستوطنات وتشكيل «حرس وطني» من 20 لواءً، في محاولة لتحويل المستوطنات إلى ثكنات عسكرية مدنية.
وهنا يكمن الافتراء السياسي الأوضح: فالمشكلات الداخلية الإسرائيلية، من جريمة منظمة واحتجاجات، لا يمكن بحال أن تبرر استمرار الاحتلال.
بل على العكس، فقد أكدت تقارير المخابرات الأميركية، والأممية، أن استمرار الاستيطان هو المحرك الأساسي للعنف والتوتر. تقارير الأمم المتحدة الفصلية والشهرية وتقرير الكونغرس الأميركي لعام 2026 حذرت صراحة من أن غياب الأفق السياسي والتوسع الاستيطاني هما العاملان الأكثر تأثيراً في تأجيج الصراع وخلق العنف.
3 - تشريع الاحتلال عبر الباب الخلفي ... حرب
يدعو التقرير إلى سن قوانين داخلية لتنظيم «فرق الاستعداد» وتسليح المستوطنات وربطها بقيادة عسكرية مركزية، وهو مسعى مكشوف لتكريس المستوطنات ككتل دفاعية شرعية. لكن هذا الطرح يصطدم بحقيقة أن المستوطنات غير قانونية بالأساس، ومحاولة تغليفها بغطاء أمني لا يغير من طبيعتها الاستيطانية الاستعمارية.
التقرير الاستيطاني في مرآة القانون الدولي والمواقف الرسمية
إذا كان التقرير الإسرائيلي يروج لفكرة أن الاستيطان دفاع عن الوطن، فإن القانون الدولي ينظر إليه باعتباره جريمة حرب، والاتفاقات الموقعة تعتبره عقبة أمام السلام.
وهنا التفنيد التفصيلي:
انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف
المادة 49 تحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، وهو ما تفعله إسرائيل علناً في مشروع E1 الذي يهدف إلى تطويق القدس الشرقية وربط مستوطنة معاليه أدوميم بها، ما يقسم الضفة إلى شطرين ويدمر أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة.
تجاوز قرارات مجلس الأمن
القرار 2334 لعام 2016 أكد بوضوح أن المستوطنات «ليس لها أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي». وفتوى محكمة العدل الدولية 2024 ذهبت إلى إلزام إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي المحتلة.
انتهاك روح أوسلو
الاتفاقيات قسمت الضفة إلى مناطق A وB وC على أساس أن المنطقة C خاضعة لسيطرة إسرائيلية موقتة لحين تسوية الوضع النهائي. لكن التقرير نفسه يكشف، من خلال حديثه عن توزيع الصلاحيات، أن إسرائيل تجاوزت هذه الاتفاقيات أحادياً، وفرضت واقعاً جديداً يغير طبيعة المنطقة C من منطقة موقتة إلى أراضٍ ضُمت فعلياً.
الموقف الأميركي الرافض
رغم الانقسامات الحزبية، فإن التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية 2025 أكد مجدداً أن «المستوطنات غير متوافقة مع القانون الدولي».
وفي شهادة أمام الكونغرس مارس 2026، قال مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى إن التوسع الاستيطاني الحالي «يضعف مصداقية عملية السلام ويدفع المنطقة نحو المواجهة».
أصوات إسرائيلية تناقض التقرير
في رد غير مباشر على وثيقة JISS، أصدر اللواء احتياط عاموس يدلين، رئيس معهد INSS، تقريراً في مايو 2026 حذر فيه من أن «الانغماس في تفاصيل الدفاع عن المستوطنات ينسف أي إستراتيجية للفصل بين إسرائيل والفلسطينيين، ويقود إلى دولة ثنائية القومية أو عنف أبدي».
كما كشف تحقيق استقصائي لصحيفة «هآرتس» في يونيو 2026 أن أكثر من 60 % من أراضي المنطقة C التي صودرت لم تستخدم لأغراض أمنية، بل لأغراض سكنية وتجارية بحتة، ما يفضح الغطاء الأمني كواجهة للتوسع المدني.
القاتل الصامت
يجمع المراقبون الدوليون والإسرائيليون على أن التوسع الاستيطاني المستمر يضع حل الدولتين في غرفة العناية المركزة. فالمستوطنات والطرق الالتفافية تسيطر على أكثر من 40 % من مساحة الضفة، وتقسمها إلى كانتونات معزولة.
مشروع E1، الذي يناقشه التقرير ضمناً، سيفصل شمال الضفة عن جنوبها نهائياً، ويحاصر القدس الشرقية من كل جانب، وهو ما اعتبرته اللجنة الرباعية في تقريرها (فبراير 2026) «النقطة التي عندها يموت حل الدولتين».
مع وجود أكثر من 730 ألف مستوطن يشكلون كتلة بشرية لا يمكن إخلاؤها، مقابل تهجير أكثر من 15 ألف فلسطيني عام 2025 وحده بسبب هدم المنازل، يصبح الحديث عن السلام أقرب إلى السراب. هذا الواقع يكشف أن التقرير الإسرائيلي لا يدافع عن «وطن»، بل عن نظام فصل عنصري، كما وصفته منظمة العفو الدولية في تقريرها 2026، يحرم الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير.
مشروع استيطاني يصطدم بجدار القانون
يقدم تقرير «المعركة على الوطن» رؤية إسرائيلية متكاملة لتطبيع الاحتلال والاستيطان كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي، لكنه يصطدم بحائط القانون الدولي، والاتفاقات الثنائية، والموقف الدولي الرافض. بينما يتحدث عن الدفاع عن الوطن، فإنه في الحقيقة يدافع عن مشروع استعماري في أراضٍ محتلة، يغذي العنف ويقوض أي أمل في سلام.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً، الذي لم يجب عنه التقرير: كيف يمكن الدفاع عن وطن يُبنى على أنقاض وطن آخر، وينتهك كل مواثيق الشرعية الدولية، ويعزل الشعوب، ويجهض الخيار الوحيد المقبول دولياً؟
الإجابة واضحة: لا حل إلا بالعودة إلى الشرعية الدولية، ووقف الاستيطان، واستئناف المفاوضات الجادة على أساس حل الدولتين. وإلا، ستظل المنطقة رهينة لمشاريع أمنية قصيرة النظر تُعمق الصراع بدلاً من إنهائه.