حين تنقلب المواقيت وساعات العمل هرباً من حرارة الصيف

مهندسو المشاريع يطاردون الإنجاز... ليلاً

تصغير
تكبير

- مواقع الإنشاءات تنبض بالحياة مع حلول ساعات المساء حتى ساعات الفجر الأولى
- شركات منفذة لجأت إلى إعادة هيكلة جداول العمل بما يتوافق مع فترة الحظر
- التحول فرض نمطاً جديداً من إدارة المشاريع يعتمد على تقسيم العمل إلى ورديات متعاقبة
- قرار الحظر جاء لحماية العمالة من ظروف مناخية قاسية يصعب معها أداء الأعمال الميدانية بكفاءة وأمان
- مهندسون انتقلوا للعمل في ساعات غير تقليدية فتبدأ جولات التفتيش بعد منتصف الليل حتى الثامنة صباحاً

في فصل الصيف، الذي نعيش أيامه وارتفاع درجات حرارته نحو مستويات قياسية، تتغير ملامح العمل في مواقع المشاريع الكبرى بصورة لافتة، فبينما تخلو مواقع الإنشاءات من الحركة خلال ساعات الظهيرة، تبدأ تنبض بالحياة مع حلول ساعات المساء وحتى ساعات الفجر الأولى، حيث ينتقل المهندسون والفنيون والعمال إلى جداول عمل غير تقليدية للحفاظ على وتيرة الإنجاز، دون الإخلال بمتطلبات السلامة المهنية.

ويأتي هذا التحول استجابة لقرار الهيئة العامة للقوى العاملة، بحظر تشغيل العمالة في الأماكن المكشوفة من الساعة 11 صباحاً وحتى 4 عصراً، خلال الفترة الممتدة من الأول من يونيو ونهاية أغسطس، لحماية العاملين من مخاطر التعرض المباشر للحرارة الشديدة، إضافة إلى تنظيم العمل والحفاظ على سلامة العمال دون التأثير على سير المشاريع أو تقليل ساعات العمل الفعلية.

هيكلة العمل

في مواقع البنية التحتية والطرق والمدن السكنية الجديدة والمشاريع الإنشائية الكبرى، لم يعد اليوم العملي يبدأ مع شروق الشمس وينتهي مع غروبها، كما كان معتاداً. فقد لجأ العديد من الشركات المنفذة إلى إعادة هيكلة جداول العمل بما يتوافق مع فترة الحظر، حيث يتم تكثيف الأعمال خلال ساعات الصباح الباكر أو بعد غروب الشمس.

وتتطلب بعض الأعمال الحساسة، مثل صب الخرسانة أو تنفيذ التحويلات المرورية أو تركيب المرافق والخدمات، استمرارية التنفيذ وعدم التوقف لفترات طويلة. لذلك أصبح من المألوف أن يبدأ بعض المهندسين والمشرفين الميدانيين والعمال دوامهم عند منتصف الليل أو بعده بقليل، ليستمر حتى ساعات الصباح الأولى، في حين تعمل فرق أخرى خلال الفترة المسائية الممتدة حتى الفجر.

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في ساعات الحضور والانصراف، بل فرض نمطاً جديداً من إدارة المشاريع يعتمد على تقسيم فرق العمل إلى ورديات متعاقبة، تضمن استمرارية التنفيذ على مدار الساعة مع الالتزام الكامل بضوابط السلامة المهنية.

نافذة مثالية

وتعد الكويت من الدول التي تشهد درجات حرارة مرتفعة خلال أشهر الصيف، الأمر الذي يجعل تنفيذ الأعمال الميدانية خلال فترة الظهيرة تحدياً كبيراً للعاملين في المواقع المكشوفة.

وتؤكد الهيئة العامة للقوى العاملة أن قرار الحظر، جاء لحماية العمالة من الظروف المناخية القاسية التي يصعب معها أداء الأعمال الميدانية بكفاءة وأمان خلال ساعات الذروة الحرارية، كما أن القرار يتماشى مع معايير السلامة والصحة المهنية والممارسات الدولية المعتمدة لحماية العاملين في البيئات الخارجية.

ومن هذا المنطلق، أصبحت ساعات الليل والفجر تمثل نافذة زمنية مثالية لتنفيذ الكثير من الأعمال الإنشائية التي تتطلب جهداً بدنياً أو استخدام معدات ثقيلة في مناطق مكشوفة.

عمل ميداني

ورغم أن الاهتمام الإعلامي غالباً ما يركز على العمالة الميدانية، فإن المهندسين يشكّلون جزءاً أساسياً من منظومة العمل التي تتأثر بقرار الحظر. فالمهندس المقيم أو المشرف الميداني أو مهندس التنفيذ، مطالب بمتابعة سير العمل ميدانياً، واعتماد الأعمال المنجزة، والتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية، إضافة إلى التنسيق مع المقاولين والاستشاريين والجهات الحكومية المختلفة.

ولهذا السبب، انتقلت أعداد من المهندسين إلى العمل في ساعات غير تقليدية، حيث تبدأ جولات التفتيش والمتابعة في بعض المواقع بعد منتصف الليل وتستمر حتى السابعة أو الثامنة صباحاً، كما تُعقد اجتماعات التنسيق الميدانية خلال الفترات المسائية أو في ساعات الفجر الأولى، بما يضمن استمرارية العمل دون تعريض العاملين لمخاطر الإجهاد الحراري.

ويؤكد مختصون في إدارة المشاريع أن هذا النمط من العمل يتطلب استعداداً بدنياً وذهنياً خاصاً، فضلاً عن إعادة تنظيم الحياة اليومية للعاملين بما يتناسب مع ساعات الدوام الجديدة.

تكنولوجيا ونسب

ومع اتساع نطاق المشاريع الكبرى في الكويت، أصبحت التقنيات الحديثة عاملاً رئيسياً في دعم فرق العمل الليلية، فأنظمة المراقبة الذكية وبرامج إدارة المشاريع الرقمية أتاحت للمهندسين متابعة نسب الإنجاز وتوثيق الأعمال الميدانية بشكل فوري، حتى خلال ساعات الليل.

كما ساهمت أنظمة الإضاءة المتطورة في مواقع المشاريع في توفير بيئة عمل آمنة تسمح باستمرار التنفيذ خلال الفترات المسائية دون التأثير على جودة الأعمال أو مستويات السلامة.

ويرى مختصون أن العمل الليلي لم يعد خياراً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من منظومة تشغيل متكاملة يتم اللجوء إليها خلال أشهر الصيف للحفاظ على الجداول الزمنية للمشاريع.

خطط تشغيل مرنة لتحقيق الإنجاز

تواجه المشاريع الكبرى عادة التزامات زمنية دقيقة، ترتبط بمواعيد تسليم محددة وعقود تنفيذ تتضمن مراحل متتابعة من الأعمال، لذلك فإن التوقف الكامل خلال ساعات الحظر قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة الإنجاز إذا لم تتم إعادة جدولة الأعمال بشكل احترافي.

ولهذا السبب، تعتمد الجهات المنفذة على خطط تشغيل مرنة تضمن الاستفادة من الساعات المتاحة قبل الحظر وبعده، مع زيادة الاعتماد على الورديات الليلية في الأعمال الميدانية المكشوفة. وتشير الهيئة العامة للقوى العاملة إلى أن فلسفة القرار تقوم على تنظيم ساعات العمل وليس تقليلها، مع الحرص على عدم الإضرار بالمشاريع الجاري تنفيذها.

سلامة العامل... هدف أهم

رغم التحديات التشغيلية التي تفرضها إعادة توزيع ساعات العمل، فإن حماية العنصر البشري تبقى الهدف الأهم، فالعمل تحت أشعة الشمس المباشرة خلال ذروة الصيف قد يؤدي إلى الإجهاد الحراري أو ضربات الشمس ومضاعفات صحية خطيرة.

ولهذا ألزم القرار أصحاب الأعمال باتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائية، تشمل توفير مياه الشرب الباردة ومواقع الاستراحة المظللة ووسائل الإسعافات الأولية وتنظيم فترات الراحة بما يتناسب مع الظروف المناخية السائدة، كما تخضع مواقع العمل لحملات تفتيش دورية للتأكد من الالتزام بالاشتراطات المعتمدة.

تكيّف مع المتغيرات

مع دخول أشهر الصيف، تبدو مواقع المشاريع الكبرى في الكويت وكأنها تعيش دورة عمل معاكسة للأنماط التقليدية، فبينما تهدأ الحركة في ساعات الظهيرة، تنشط الآليات والفرق الهندسية خلال المساء والليل وحتى ساعات الفجر الأولى.

هذا التحول يعكس قدرة القطاع الهندسي والإنشائي على التكيف مع المتغيرات المناخية والتشريعية، ويؤكد أن المحافظة على سلامة العاملين لا تتعارض مع استمرارية الإنجاز، بل تشكل أحد مقوماته الأساسية.

وبين ضجيج المعدات ليلاً وأضواء المشاريع الممتدة في الأفق، يواصل المهندسون والعاملون سباق الزمن لإنجاز المشروعات التنموية، مستفيدين من ساعات الليل للحفاظ على وتيرة العمل وتحقيق مستهدفات التنمية في مختلف أنحاء الكويت.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي