كرة القدم تحوّلت إلى صانع رئيسي لـ «اقتصاد موقت» أكثر ديناميكية بالعالم

«كأس العالم» يدفع مستضيفيه للقفز سياحياً... وتجارياً

تصغير
تكبير

- وميض تجاري فائق وقصير لإحداث تحوّلات هيكلية كبرى في الاقتصاد المحلي وتعجيل معدلات نموه الإستراتيجي
- 7.57 مليار دولار إيرادات «الفيفا» في كأس 2022
- 220 ملياراً إنفاقاً قطرياً يضع مونديالها في صدارة الموازنات الاستثمارية الرياضية
- 1000 في المئة قفزة بأسعار الفنادق بالمكسيك
- 625 مليوناً تمويلاً فيدرالياً للمدن الـ 11 المضيفة للمونديال
- 7.8 مليون تؤمنها بلدة فوكسبورو من القطاع الخاص

في تقرير نشره موقع «بريتانيكا» حول اقتصاديات كرة القدم، كشف أن بطولة كأس العالم لم تعد مجرد منافسة رياضية يتابعها الملايين، بل تحولت إلى صانع رئيسي لما يُعرف بـ «الاقتصاد الموقت» الأكثر ديناميكية في العالم. فخلف بريق المستطيل الأخضر، يمتد مدار المونديال ليشكّل منظومة استثمارية فريدة تتداخل فيها المصالح التجارية والتدفقات النقدية الضخمة.

وعلى مدار شهر كامل، تتحوّل المدن المضيفة إلى شرايين نابضة لواحد من أضخم الاستعراضات الاستثمارية على وجه الأرض، حيث تنجذب الفنادق، والمطاعم، شبكات النقل المتطورة، والخدمات الأمنية واللوجستية، جنباً إلى جنب مع كبرى وسائل الإعلام وعملاقة الإعلانات الدوليين، هذا الوميض القصير والمكثف من النشاط التجاري الفائق يمتلك القدرة على إحداث تحولات هيكلية كبرى في الاقتصاد المحلي، وتعجيل معدلات نموه الإستراتيجي، واضعاً أسس البنية التحتية لأسواق جديدة بمليارات الدولارات.

ورغم أن كأس العالم يُنظر إليه غالباً باعتباره آلة لإنتاج الأرباح، إلا أنه لا يمثل محركاً اقتصادياً واحداً، بل يتكوّن من جزأين مرتبطين ارتباطاً وثيقاً ولكن لكل منهما هويته المستقلة: منظومة العوائد العالمية للفيفا، والاقتصاد الإقليمي للمدينة المضيفة.

وحتى عندما ينسق الطرفان بشكل وثيق، فإن النتائج قد تختلف اختلافاً صارخاً، إذ يجني الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تدفقاً مباشراً من الإيرادات المتأتية من بيع التذاكر، وحقوق البث، والرعاية، ومنح التراخيص.

وفي المقابل، غالباً ما تواجه المدينة المضيفة مزيجاً أكثر تعقيداً يشمل عوائد الزوار والسياحة، والتكاليف العامة، والضغوط على البنية التحتية، والتحديات التي تلي انتهاء البطولة.

النطاق الاقتصادي

وتُقام مباريات كأس العالم داخل الملاعب، بيد أن النطاق الاقتصادي والتجريبي للبطولة يمتد إلى ما هو أبعد من أسوار المدرجات، فالطفرة في أعداد الزوار الدوليين، والاهتمام الإعلامي العالمي، والنشاط التجاري، كل ذلك يحول المدينة المضيفة إلى جزء لا يتجزأ من الحدث، فبعد سنوات من الاستعدادات اللوجستية خلف الكواليس، يصبح تحول المدينة ملموساً وواضحاً للعيان بمجرد انطلاق الفعاليات، حيث ترتفع أسعار الفنادق نتيجة للقفزة الهائلة في الطلب، وتُعاد هيكلة وتنظيم حركة المرور في شوارع محددة لاستيعاب تدفق المركبات والمشاة، بالتزامن مع زيادة أعداد موظفي وأفراد الشرطة والأمن ووحدات الاستجابة للطوارئ الأخرى لضمان السيطرة والأمان.

علاوة على ذلك، غالباً ما تتطلب الملاعب سواء كانت مملوكة للدولة أو للقطاع الخاص تعديلات وتحديثات لاستضافة المباريات والامتثال للوائح الفيفا الخاصة بـ«المواقع النظيفة» والتي تهدف إلى ضمان الحصرية للمعلنين والرعاة الرسميين عبر إزالة أي علامات تجارية أو إعلانات تجارية عوائد «فيفا»

ويتيح نموذج أعمال «الفيفا» استثمار بطولة كأس العالم وتحقيق أرباح استثمارية من خلال أسواق شاسعة وقنوات تجارية متعددة، إذ يجني الاتحاد تدفقات مباشرة ومضمونة من الإيرادات المتأتية من بيع حقوق البث الإعلامي للمحطات التلفزيونية، ومنح حقوق الرعاية لعلامات تجارية حول العالم، وبيع التذاكر للجماهير، إضافة إلى تقديم حزم الضيافة وكبار الشخصيات (VIP) للشركات والأثرياء، وإبرام اتفاقيات الترخيص لبيع السلع التذكارية.

وخلال دورة الفيفا المالية (2019–2022)، والتي بلغت ذروتها في كأس العالم 2022 في قطر، وصلت إيرادات «الفيفا» إلى رقم قياسي قدره 7.57 مليار دولار، ما يؤكد تفوق المكاسب المالية التاريخية للاتحاد ومقدرته الاستثمارية العالية. وفي تلك النسخة، ضخت قطر رؤوس أموال ضخمة بلغت قيمتها قرابة 220 مليار دولار لتشييد وتحديث بنيتها التحتية واستضافة الحدث، ما جعلها النسخة الأكبر من حيث حجم الإنفاق الاستثماري في تاريخ البطولة، كاستثمار إستراتيجي طويل الأجل في السمعة والمكانة الدولية. كما يُنتظر من نسخة كأس العالم 2026 تطبيق آليات اقتصادية حديثة مثل نظام التسعير الديناميكي للتذاكر لتعظيم العوائد.

المدن المضيفة

وتتوزّع الفوائد الاقتصادية التي تجنيها المدن المضيفة على قطاعات تجارية متعددة، إذ تشهد الفنادق، والمقاهي، والمطاعم، والمتاجر انتعاشاً كبيراً في حركة الإقبال والمبيعات المحتملة، فضلاً عن تعزيز الضرائب المحلية، وتحديث البنية التحتية، والترويج السياحي الذي يرفع القيمة السوقية للمدن.

ويبرز كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة كأحد أكثر الأمثلة نجاحاً، إذ استقطب أكثر من 3.5 مليون متفرج، بمتوسط قارب 69 ألف مشجع للمباراة الواحدة. وشهدت البطولة إقامة أكثر من 50 مباراة توزعت على تسع مدن مضيفة. وتكمن الميزة الاقتصادية لهذه النسخة في اعتمادها على ملاعب جاهزة وقائمة بالفعل، ما أتاح استغلال الميزانيات بكفاءة عالية، وساهم الإرث المالي للبطولة في إطلاق الدوري الأميركي لكرة القدم (MLS) عام 1996 وتأسيس «مؤسسة كرة القدم الأميركية» عبر الفوائض المالية المحققة. وفي ما يخص القيمة الصافية للأثر الاقتصادي لهذه النسخة، وضعت دراسات الخبيرين روبرت بادي وفيكتور ماثيسون تقديرات تراوحت بين 5.5 مليار و9.3 مليار دولار.

وفي نموذج مالي آخر، أنفقت البرازيل ما يقدّر بنحو 11.5 مليار دولار استعداداً لكأس العالم 2014، وغطى هذا الإجمالي بناء الملاعب وتجديدها، وتحديث المطارات، والموانئ، ومشاريع النقل الحضري، والاتصالات السلكية واللاسلكية، حيث بلغت نسبة المساهمة التمويلية الحكومية نحو 85 في المئة لتهيئة البنية التحتية المحلية لاستضافة منشآت البطولة وربطها بالحدث العالمي التالي المتمثل في أولمبياد ريو الصيفي 2016.

2026 يُقدّم ملفاً اقتصادياً جديداً بنموذج ثلاثي

يقدّم كأس العالم 2026 ملفاً اقتصادياً جديداً يُقام لأول مرة عبر 3 دول هي الولايات المتحدة، كندا، المكسيك، ومع زيادة عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 فريقاً، ويتيح هذا التنسيق توزيع وتخفيف الضغوط التمويلية، واللوجستية، ونفقات التشغيل بين ميزانيات الدول الثلاث من خلال الاعتماد الكلي على المنشآت المجهزة والملاعب الكبرى القائمة بالفعل.

ورغم انخفاض تكاليف الإنشاءات الجديدة، تظل النفقات التشغيلية والتجهيزية قائمة لاستيفاء المعايير التجارية الدولية، فعلى الصعيد الأمني، منحت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ الأميركية تمويلاً أمنياً بقيمة 625 مليون دولار توزعت على المدن الـ 11 المضيفة داخل الولايات المتحدة. وفي بلدة فوكسبورو، تم تأمين مبلغ 7.8 مليون لتمويل السلامة العامة مغطاة بالكامل عبر استثمارات القطاع الخاص.

أما في كندا، فبلغت تقديرات تكاليف التجهيز والاستضافة في مدينة تورونتو ما يقارب 380 مليوناً. وفي المكسيك، انعكس الزخم التجاري للبطولة مباشرة على قطاع السياحة، إذ قفزت أسعار الفنادق بنسبة قياسية بلغت نحو 1000 في المئة في بعض المدن المستضيفة، ما يعكس التدفق النقدي الضخم المباشر في منظومة الاقتصاد المحلي، بينما تظل عوائد التذاكر والرعاية والبث مركزية لصالح الميزانية العمومية للفيفا.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي