اختيار جامعات وتخصصات تفوق قدرات الطالب الفعلية يؤدي إلى «التعثر الدراسي»

الطب يتصدّر رغبات «الابتعاث»... والتكنولوجيا حاضرة

تصغير
تكبير

- محمد الشمري: الطلبة أصبحوا أكثر وعياً اليوم بالفرص المستقبلية والتخصصات المرتبطة بسوق العمل
- إقبال متزايد على التخصصات الطبية المساندة لوعي الطلبة بأهميتها وفرصها
- تحول واضح في توجهات الطلبة للتخصصات الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا 
- راشد الهاجري: 4 تخصصات رئيسية تصدرت رغبات الطلبة.. الطب البشري والأسنان والصيدلة والأمن السيبراني
- رغبات جديدة أبرزها تخصص العلاج الطبيعي وعلم الأدوية والتغذية
- خطط البعثات بدأت مراعاة متطلبات سوق العمل عبر لجان مشتركة

مع حلول موسم البعثات الدراسية، تتجه الأنظار نحو رغبات طلبة الثانوية العامة التي باتت تشهد تحولاً لافتاً، مواكبة لحملات وزارة التعليم العالي الخاصة بتوجيه الطلبة نحو التخصصات التي تخدم سوق العمل وتحقق أهداف التنمية المتعلقة برؤية «كويت 2035».

فبينما يظل الشغف التقليدي مسيطراً على رغبات الطلبة المتعلقة بتخصصات الطب البشري، وطب الأسنان، اندفع الطلبة خلال السنوات الأخيرة نحو تخصصات التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الأمن السيبراني، مدفوعين بولعهم بالذكاء الاصطناعي والألعاب الإلكترونية، إلى جانب إقبال متزايد على التخصصات الطبية المساندة كالعلاج الطبيعي وعلم الأدوية.

وما بين رغبات الطلبة الشخصية، وتطلعات أولياء الأمور، ومتطلبات المستقبل الوظيفي، يجد كثير من الخريجين أنفسهم أمام خيارات مصيرية تحتاج إلى قدر كبير من التوجيه والدراسة قبل اتخاذ القرار النهائي.

وفي هذا السياق، يبرز دور المكاتب والشركات المتخصصة في الاستشارات الأكاديمية، بوصفها شريكاً مهماً في مساعدة الطلبة على تحديد المسار الأنسب لقدراتهم وميولهم، بعيداً عن القرارات العشوائية أو الضغوط الاجتماعية المرتبطة ببعض التخصصات التقليدية، حيث تعمل هذه الجهات على تقديم المشورة العلمية والمهنية للطلبة، من خلال تعريفهم بالتخصصات المطلوبة في سوق العمل، ومساعدتهم على اختيار الجامعات الملائمة، وتوضيح الفرص الوظيفية المرتبطة بكل مسار أكاديمي.

واستعرض اثنان من مسؤولي شركات الاستشارات الأكاديمية لـ«الراي» أبرز توجهات خريجي الثانوية العامة، والعوامل المؤثرة في اختياراتهم، والدور الذي تؤديه هذه المكاتب في توجيه الطلبة نحو تخصصات تتوافق مع احتياجات المستقبل ومتطلبات سوق العمل.

خريطة تخصصات

بداية، استعرض راشد الهاجري، مدير شركة للاستشارات الأكاديمية، خريطة التخصصات الأكثر جذباً لطلبة الثانوية العامة، مبيناً أن «هناك أربعة تخصصات رئيسية تصدرت رغبات الطلبة بشكل ملحوظ، وهي: الطب البشري، طب الأسنان، الصيدلة، وتخصص الأمن السيبراني الذي يشهد طفرة إقبال غير مسبوقة بسبب ولع الجيل الجديد بالحاسب الآلي والألعاب الإلكترونية».

ولفت الهاجري، في تصريح لـ«الراي» إلى أن «الدائرة بدأت تتسع لتشمل تخصصات طبية وعلمية أخرى لاقت رواجاً كبيراً في الآونة الأخيرة بين الأوساط الطلابية، وعلى رأسها تخصص العلاج الطبيعي، وتخصص علم الأدوية، بالإضافة إلى تخصص التغذية.

وأشار إلى أن، خطة البعثات الجديدة سواء لهذا العام أو العام الماضي بدأت بالفعل في مراعاة متطلبات سوق العمل المحلي عبر لجان مشتركة تنسيقية بين وزارة التعليم العالي وديوان الخدمة المدنية، حيث أسفر هذا التعاون عن طرح تخصصات حيوية جديدة مثل الذكاء الاصطناعي واستبعاد التخصصات التي تشهد حالة من الاكتفاء والتشبع. وضرب مثالاً على التخصصات التقليدية التي تعاني تشبعاً كبيراً بـ «الهندسة الميكانيكية»، مشيراً إلى أن خريج هذا التخصص ينتظر في ديوان الخدمة المدنية حالياً لفترة تتراوح بين سنة وسنة ونصف العام حتى يتم توظيفه، ومع ذلك لايزال هناك طلبة يصرون على دراسته.

تناسب

ودعا الهاجري، الطلبة إلى اختيار الجامعات والتخصصات بما يتناسب مع قدراتهم الأكاديمية الفعلية، محذراً من الاندفاع نحو مؤسسات تعليمية ذات متطلبات مرتفعة قد تؤدي إلى التعثر الدراسي، لافتاً إلى أن اختيار التخصصات الطبية يجب أن يرتبط بمدى شغف الطالب بمواد الكيمياء والأحياء، في حين قد تكون التخصصات الهندسية أكثر ملاءمة للطلبة الذين يميلون إلى الفيزياء والرياضيات.

وعن خارطة توجهات الطلبة، أكد الهاجري، وجود إقبال كثيف ومتزايد منذ نحو 4 سنوات على تخصص «الأمن السيبراني»، عازياً ذلك إلى طبيعة الجيل الجديد الشغوف بالكمبيوتر والألعاب الإلكترونية. وفي المقابل، أشار إلى أن تخصصات أخرى بالغة الأهمية مثل «الذكاء الاصطناعي» و«تحليل البيانات» لاتزال تفتقر إلى الإقبال الكافي، برغم بروز وعي تدريجي نسبي لدى قلة من أولياء الأمور تجاه الذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى اتساع رقعة الإقبال أيضاً لتشمل تخصصات طبية وعلمية أخرى كالعلاج الطبيعي، علم الأدوية، والتغذية.

وعي

بدوره، قال الرئيس التنفيذي لشركة أخرى للاستشارات الدراسية والأكاديمية، محمد عامر الشمري، إن «السنوات الأخيرة، شهدت إقبالاً ملحوظاً من الطلبة على التخصصات الحديثة والناشئة، مثل التخصصات الطبية المساندة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات»، مشيراً إلى أن ذلك «يعكس تغيراً واضحاً مقارنةً بما كان سائداً في السابق، حيث كان التركيز الأكبر ينصب على التخصصات التقليدية، أما اليوم أصبح الطلبة أكثر وعياً بالفرص المستقبلية والتخصصات المرتبطة باحتياجات سوق العمل».

وعن أبرز العوامل التي يعتمد عليها الطلبة عند اختيار تخصصاتهم الجامعية، أوضح الشمري، أنه «في الوقت الحالي، تُعد فرص العمل المستقبلية والفرص الوظيفية بعد التخرج من أبرز العوامل التي تؤثر على قرارات الطلبة عند اختيار التخصص الجامعي. كما يحرص الكثير منهم على دراسة التخصصات التي تتمتع بطلب متزايد في سوق العمل، مع مراعاة ميولهم الشخصية وطموحاتهم المهنية».

وحول تصريح وزير التعليم العالي بأن أكثر من 40 في المئة من التخصصات المطروحة ضمن خطة البعثات تتركز في التخصصات الطبية المساندة، وعما إذا تجد هذه التخصصات إقبالاً من الطلبة، قال الشمري «نعم، نلاحظ وجود إقبال متزايد على التخصصات الطبية المساندة، كما أن مستوى الوعي بأهمية هذه التخصصات وفرصها الوظيفية قد ارتفع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة»، مبيناً أنه «أصبح العديد من الطلبة يدركون الدور الحيوي لهذه التخصصات في القطاع الصحي، بالإضافة إلى ما توفره من فرص مهنية واعدة ومستقرة».

تغيرات

وتطرق الشمري إلى تغير توجهات الطلبة خلال السنوات الأخيرة نحو تخصصات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني مقارنة بالتخصصات التقليدية، فأوضح أن «هناك تحولاً واضحاً في توجهات الطلبة نحو التخصصات الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات».

وعزا الشمري، هذا التوجه نتيجة النمو السريع لهذه القطاعات عالمياً، والحاجة المتزايدة إلى الكفاءات المتخصصة فيها، مقارنةً بالتخصصات التقليدية التي كانت تستقطب النسبة الأكبر من الطلبة في السابق.

الطلبة بين التركيز والتشتت

تطرق راشد الهاجري، إلى أبرز العوامل التي يعتمد عليها الطلبة عند اختيار تخصصاتهم الجامعية، فقال إن «الطلبة المتوجهين نحو القطاع الطبي (الطب البشري، طب الأسنان، والصيدلة)، هم الفئة الوحيدة التي تعرف ماذا تريد بدقة. وفي المقابل، تعاني الغالبية العظمى من الطلبة من تشتت واضح وعدم معرفة بالتخصص المناسب لهم، ما يفتح الباب أمام أولياء الأمور لتوجيههم وفرض خياراتهم عليهم».

وطأة ضغوط أولياء الأمور

رأى الهاجري، أن «ثمة غياباً للفكر التخطيطي المرتبط بسوق العمل، حيث يقع الطلبة تحت وطأة ضغوط أولياء الأمور الذين يفرضون عليهم كليات الطب أو الهندسة لمجرد حصولهم على معدلات مرتفعة». وذكر مفارقة في هذا السياق، «على سبيل المثال، تخصص الأمن السيبراني في بريطانيا يندرج كتخصص علمي وليس هندسياً، إلا أن أولياء الأمور يصرون على البحث عن مسمى (هندسة الأمن السيبراني) لمجرد أن يُلقب الابن بالمهندس».

استشارات أكاديمية مجانية

وجه الهاجري، نصيحة بالغة الأهمية للطلبة بضرورة مراجعة المستشارين الأكاديميين قبل حسم خياراتهم، مشيراً إلى تقديم استشارات أكاديمية مجانية للطلبة لمساعدتهم وتوجيههم، انطلاقاً من المسؤولية في تجنيب الجيل الحالي الأخطاء والعقبات الأكاديمية التي وقعت فيها الأجيال السابقة.

أخطاء الاختيار

أشار محمد الشمري، إلى أبرز الأخطاء التي يقع فيها خريجو الثانوية عند التقديم للجامعات في بريطانيا وأميركا، وبيّن أن «من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض الطلبة اختيار مناطق أو جامعات قد لا تتناسب مع احتياجاتهم الأكاديمية أو المعيشية، بالإضافة إلى الاعتماد على معلومات غير دقيقة أو استشارات غير متخصصة». وأضاف «لذلك ننصح دائماً بالرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص، والحصول على معلومات شاملة وواضحة قبل اتخاذ قرار الابتعاث».

مرافقة الطالب في كل رحلته

أكد الشمري الحرص على مرافقة الطالب في جميع مراحل رحلته التعليمية، بدءاً من اختيار التخصص والجامعة المناسبة، مروراً بإجراءات القبول والسكن والتأشيرة، وصولاً إلى المتابعة والدعم المستمر حتى التخرج.