رفضٌ يهزّ واشنطن... نتنياهو «يتحدّى» ترامب ويُهدّد بتفكيك التسوية

قوات إسرائيلية في جنوب لبنان
قوات إسرائيلية في جنوب لبنان
تصغير
تكبير

- نتنياهو يحاول فرض «معادلة جديدة» تقوم على 3 مبادئ حديدية
- رئيس الوزراء أمام خياري... التراجع قبيل الانتخابات أو تفكيك التحالف الإستراتيجي

في الوقت الذي يراهن فيه البيت الأبيض على اتفاق إيراني شامل لإنهاء الحرب، يخرج بنيامين نتنياهو، عن النصّ، ممسكاً بورطة عسكرية قد تكون الأخطر في تاريخه: رفض قاطع لخطة دونالد ترامب، للانسحاب من خمس نقاط سيادية في جنوب لبنان، ومواجهة مفتوحة مع واشنطن قد تتحوّل إلى زلزال دبلوماسي.

السؤال الآن ليس متى تنتهي الحرب، بل: هل سيسقط نتنياهو، تحت وطأة الضغط الأميركي، أم ستسقط معادلات ترامب، على صخرة التعنت الإسرائيلي؟

في لحظة فاصلة ربما تكون الأخطر منذ حرب يوليو 2006، لم تعد إسرائيل تواجه «حزب الله» فقط، بل تواجه اختباراً وجودياً مزدوجاً: اختبار القوة على الأرض، واختبار الولاء للحليف الأميركي. فبينما كانت التقديرات تشير إلى اقتراب تفاهم أميركي - إيراني يُنهي جبهات القتال، خرج نتنياهو، ليقلب الطاولة على الجميع، معلناً رفضاً صارماً لمبادرة ترامب، التي رأى فيها الكثيرون «بطاقة خروج آمنة» للحرب.

الخط الأحمر الإسرائيلي

وفقاً لوثائق مسرّبة ومصادر سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى، فإن ترامب، قدّم اقتراحاً واضحاً لنتنياهو: انسحاب إسرائيلي كامل من خمس نقاط عسكرية إستراتيجية في جنوب لبنان، بالإضافة إلى الانسحاب من جبل الشيخ في سوريا، مقابل تفاهمات أوسع تشمل وقفاً تاماً ودائماً لإطلاق النار.

غير أن ردّ نتنياهو، كان قاطعاً وحاسماً: «رفض مطلق وغير قابل للنقاش»، وفق ما نقلته مصادر مطلعة على المحادثة. هذا الرفض لم يقتصر على كونه موقفاً تفاوضياً، بل تحوّل إلى رسالة مبطنة لواشنطن مفادها «إسرائيل لن تعيد نفسها إلى معادلات ما قبل الحرب، ولن تكون ورقة في جيب دبلوماسية ترامب».

ضربة بيروت... رسالة بالبارود

لم تكن الغارة التي شنّتها إسرائيل الأحد على الضاحية الجنوبية لبيروت، مُجرد ردّ عسكري على إطلاق نار محدود، بل كانت بياناً حربياً بامتياز. فالتوقيت، كما تقرّب الصحافة العسكرية الإسرائيلية نفسها، لم يكن محض صدفة.

تقول المحللة «آنا برسكي» في «معاريف»، إن «جهاز الأمن كان يتعامل مع تلك الحالات كأحداث محدودة، لكن قرار الهجوم في هذه اللحظة بالذات هو رسالة مبطنة لواشنطن: لا أحد يملي علينا شروط الاشتباك».

بهذا المعنى، فإن صواريخ إسرائيل لم تستهدف بيروت فقط، بل استهدفت جدول أعمال ترامب، في جنيف.

الردع أو الانهيار

في تحليل إستراتيجي نشره العميد الاحتياط «آشر بن لولو» (قائد سابق في الشمال)، يرسم الجيش الإسرائيلي سيناريوهين قاتمين:

السيناريو المتفائل (من وجهة نظر إسرائيلية): عدم الانسحاب، أو انسحاب تدريجي مشروط بفعالية الجيش اللبناني، مع الاحتفاظ بحرية قصف أي نقطة في لبنان، بما فيها بيروت. هذا السيناريو يعني مواجهة مفتوحة مع واشنطن التي تريد إنهاء الحرب بأسرع وقت.

السيناريو المتشائم (الكابوس الإسرائيلي): انسحاب سريع وغير مشروط، تعقبه عودة إيران لضخ الأموال والصواريخ، وإعادة بناء «تشكيل غزو الجليل» في غضون سنوات. هذا السيناريو، برأي بن لولو، يعني فشلاً إستراتيجياً لإسرائيل لم تشهد له مثيلاً منذ عام 2000.

بين الرضوخ والتمرد

اللافت أن مصادر أميركية معنية بالملف، مثل المحلل ناثان ساكس، من معهد الشرق الأوسط، تؤكد أن «إيران تشعر الآن بجرأة غير مسبوقة لأنها تعرف أن ترامب، يريد الاتفاق أكثر مما تريده هي». هذا الإدراك يمنحها ورقة ضغط هائلة.

لكن في المقابل، يدرك نتنياهو، أن أي انسحاب من النقاط الخمس من دون تفكيك القدرات الهجومية لـ «حزب الله» سيكون انتحاراً سياسياً وعسكرياً. لذلك، يبدو أنه اختار خيار التمرد المباشر على الحليف الأميركي، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى اتخاذ خطوات عقابية غير مسبوقة، تصل إلى تجميد المساعدات العسكرية أو التنسيق الاستخباري.

ما الذي يريده نتنياهو حقاً؟

بحسب تحليلات عسكرية، فإن «المعادلة الجديدة» التي يحاول نتنياهو فرضها تقوم على ثلاثة مبادئ حديدية:

- لا انسحاب متسرعاً: حتى لو تمّ الاتفاق، يجب أن يكون الانسحاب تدريجياً ويستمر لأشهر، مع ربطه باختبارات ميدانية للجيش اللبناني.

- حرية مطلقة في القصف: الاحتفاظ بالحق في ضرب أي هدف في أي مكان في لبنان، حتى بعد الاتفاق، تحت أي ذريعة أمنية.

- إضعاف المحور الإيراني: جعل الاتفاق وسيلة لإبعاد طهران عن الحدود، لا بوابة لعودتها بشكل منظم.

أيّ طريق سيختار؟

الموقف الآن في غاية الحساسية: نتنياهو، يواجه اختباراً تاريخياً بكل معنى الكلمة. إما أن يرضخ لاتفاق يُجبره على التراجع إلى ما قبل الحرب، وهو ما سيعتبره اليمين «هزيمة» عشية الانتخابات الإسرائيلية، أو أن يغامر بدخول نفق مظلم من المواجهة المباشرة مع إدارة ترامب، مع كل ما يحمله ذلك من عزل دولي وتفكيك للتحالف الإستراتيجي مع واشنطن.

ما يحدث في الأيام المقبلة لن يحدد مصير لبنان فقط، بل سيكشف الحقيقة الكبرى: هل مازالت إسرائيل دولة تابعة للإملاءات الأميركية، أم أنها أصبحت دولة مارقة قادرة على جرّ حليفها إلى حرب لا يريدها؟

المؤشرات جميعها تشير إلى أن نتنياهو، راهن على «كسب الوقت» وعدم الالتزام بأي انسحاب إلا بعد تغيير المعادلة الميدانية. لكن السؤال: هل سيمنحه ترامب، هذا الوقت، أم أن صفقة القرن الجديدة ستُكتب فوق جثث المزيد من الأبرياء؟

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي