دراسة ترصدها وتُفصّلها
4 عوامل مسؤولة عن 99 في المئة من النوبات القلبية والسكتات الدماغية
في واحدة من أضخم الدراسات التحليلية التي راجعت بيانات مئات الآلاف من المرضى، خلُص فريق دولي من الباحثين إلى أن أربعة عوامل خطر قابلة للتعديل تقف وراء 99 في المئة من حالات النوبات القلبية والسكتات الدماغية حول العالم.
ونشرت دورية «The Lancet» المرموقة نتائج هذه الدراسة التي قادها معهد البحوث الصحية السكانية في جامعة «ماكماستر» الكندية، والتي شملت متابعة أكثر من 245 ألف شخص في 52 دولة على مدى 15 عاماً.
وأوضح البروفيسور سليم يوسف، المشرف الرئيس على الدراسة، أن النتائج تُقدم خريطة طريق واضحة بشكل استثنائي للحكومات والأنظمة الصحية. فبدلاً من تشتيت الجهود الوقائية عبر عشرات العوامل الثانوية، يُمكن تركيز الموارد على محاربة هذه العوامل الأربعة التي تُشكل وحدها المسؤولية شبه الكاملة عن النوبات القلبية.
وبحسب التحليل الإحصائي، فإن هذه العوامل، التي تُقاس جميعها وتُعالج، هي:
• ارتفاع مستوى الكوليسترول الضار: وُجد أنه العامل الأقوى ارتباطاً، حيث يُسهم في تراكم اللويحات الدهنية داخل جدران الشرايين التاجية والدماغية، ما يؤدي إلى تضييقها أو انسدادها بالكامل.
• ارتفاع ضغط الدم المزمن: يُضعف البطانة الداخلية للأوعية الدموية ويُجبر القلب على العمل بقوة مضاعفة، ما يزيد من خطر تمزق اللويحات وتشكل الجلطات القاتلة.
• التدخين بكل أشكاله: لا يقتصر ضرره على الرئة، بل يُحدث التهابات جهازية في الأوعية الدموية ويُغير كيمياء الدم ليجعله أكثر عرضة للتخثر، حتى مع التدخين غير المنتظم أو السلبي.
• مرض السكري غير المنضبط: يؤدي ارتفاع الغلوكوز المزمن إلى إتلاف الأعصاب التي تتحكم في القلب والأوعية الدموية، ويُسرّع عملية تصلب الشرايين بمعدل أسرع بكثير مما يحدث لدى غير المصابين.
واللافت في هذه الدراسة أن الباحثين ذهبوا إلى أبعد من مجرد سرد عوامل الخطر، إذ قاموا بحساب «المخاطر المنسوبة للسكان»، وهو مقياس يُحدد نسبة الحالات التي كان من الممكن منعها لو تم القضاء على عامل خطر معين بالكامل.
وتبين أن القضاء على ارتفاع الكوليسترول وحده كان كفيلاً بمنع 55 في المئة من النوبات القلبية، بينما يؤدي القضاء المشترك على العوامل الأربعة إلى خفض الخطر بنسبة 99 في المئة نظرياً.
وشملت الدراسة شرائح سكانية متنوعة عرقياً واقتصادياً، من أميركا الشمالية وأوروبا إلى جنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، وأظهرت أن العوامل الأربعة نفسها كانت مسؤولة عن الغالبية العظمى من الحالات في جميع المناطق دون استثناء.
وأكد يوسف، أن هذا التناسق العالمي يُثبت أن أمراض القلب والأوعية الدموية ليست قدراً محتوماً تُحدده الجينات، بل هي إلى حد كبير نتيجة لعوامل يمكن فحصها وعلاجها بأدوية رخيصة ومتاحة على نطاق واسع.
وفي مقابل هذه النتائج الصارخة، انتقد الباحثون التباطؤ في تطبيق سياسات الصحة العامة التي تستهدف هذه العوامل، مثل فرض ضرائب على الأغذية فائقة المعالجة، وتعميم فحوصات الكوليسترول والضغط في المدارس وأماكن العمل، وحظر التدخين في جميع الأماكن العامة المغلقة. وأشارت تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن تطبيق هذه التدابير مجتمعة يمكن أن يُنقذ أرواح ما يزيد على 18 مليون شخص سنوياً.
وفي المحصلة، فإن هذه الدراسة لا تكتفي بتوجيه إنذار، بل تفتح الباب أمام أمل واقعي. فمعرفة أن 99 في المئة من الحالات يمكن تفاديها نظرياً يعني أن العبء الأكبر يقع على السياسات الوقائية لا على العلاجات الباهظة بعد فوات الأوان.