قيم ومبادئ

حِجٌ وحاجةٌ؟

تصغير
تكبير

المفاخرة بالحج في الجاهلية كانت تتمثل في التباهي بخدمة الحجاج والمناصب المرتبطة بالحج وبالأنساب ومآثر القبائل المتحالفة مع قريش خلال الأسواق التي تُقام على هامش أيام الحج مثل (ذي المجنة، ذي المجاز وعكاظ). قال تعالى: «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّه»، ولما جاء الإسلام حوّل مقصد الحج من المفاخرة والعصبية والمنافسة الدنيوية إلى التوحيد والتقوى، قال تعالى: «فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللهَ كذكرِكم آباءكم أو أشدّ ذِكراً».

لقد كانت أسواق الحج منتديات تجارية وأدبية وسياسية تجتمع فيها العرب للبيع والشراء وعقد الاحلاف وإلقاء الشعر والخطب الرنّانة! إلى جانب أداء مناسك الحج الجاهلية فمزدلفة ليست مزدلفة وعرفة ليست عرفة ومِنى ليست مِنى، كما أن الطواف بالبيت كما فرضته قريش على القبائل بلا ثياب بل عرايا، الرجال يطوفون نهاراً والنساء يطفن ليلاً عرايا؟ وهذا كله من تشريع الجاهلية والممارسات الوثنية التي هدمها الإسلام، حيث قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

(خذوا عنّي مناسككم).

إنّ المفاخرة والحسد طبيعة الجماعات الإنسانية حيث كانت من قديم أزمانها، فقد حسد (قابيل هابيل) وحسد (إخوة يوسف، يوسف عليه السلام) وحسد (بنو مخزوم بني مناف) وهكذا... وقد توجد المفاخرة في الأمة الواحدة.

وأملىٰ التاريخ على العرب وجه المفاخرة إملاءً لا اختيار لهم فيه! فقد كان جيرانهم من الفرس والروم والأحباش والأقباط أصحاب ثروة ودولة مستقرة ومعايش ومتاع ورياش، وكانوا يُعيرون جيرانهم العرب شظف العيش ولهيب الصحراء اللافح وسوء الطعام وخشن الثياب. وكان العرب لا يجهلون ماذا فعل الترف بهذه الأمم... فإذا فاخروهم تركوا المفاخرة بطعام امتع من طعامهم وكساء أنفس من كسائهم وأثاث أوفر من أثاثهم ورجعوا إلى فخرهم الذي يملكونه ولا يهابون المقالة فيه وهو فخر الفصاحة والبيان، وعراقة الأحساب وصون الأعراض، فهؤلاء كلهم عند العرب أعاجم! وهؤلاء كلهم عند العرب أخلاط لا حساب عندها للحسب العريق، فإن افتخر الروم والفرس ببياض البشرة قال العرب تلك وجوه مقشرة!

وإن افتخر الفرس والروم (بالخُوان الحافل بالطعام) فخر الغرب بالجود وبذل الموجود... وساجلوا وسوجلوا في هذا الحال فأثبتوا بحق أنهم أصحاب فصاحة وأصحاب نسب وأصل.

لكنهم لم يعرفوا قط عداء العنصر أو عداء الجنس كما عرفه البيض (أصحاب الجينات الشقراء) والحمر في القارة الأميركية أو كما عرفه الأوروبيون في أستراليا أو السلافيون في أوروبا الشرقية أو كما عرفه الإسرائيليون حديثاً!

وإذا سمعت الزراية بالعبيد على لسان العربي فآخر شيء يتبادر إلى الذهن أنهم يقصدون عداء الألوان والأجناس أو يخصون اللون الأسود بهذا الازدراء أو ذاك العداء.

لقد غلبت على بعض العرب أنفسهم سمرة تقرب شديداً إلى السواد، بل كان في سادتهم من وُصف بحلكة اللون وقطط الشعر والبشرة الفاحمة. والأنف الأفطس!

فهذا قيس بن عاصم التميمي، ساد قومه بكرمه وهذا عنترة بن شداد، ساد قومه بشجاعته وفروسيته، وهنا خِفاف بن ندبة السلمي، يُعد من فرسان العرب المشهورين بل وُصف بأغرب العرب لشدة سواده! واشتهر من شعراء الصعاليك السُليك بن السلكة والشنفري (شديد الادمة) سادوا قومهم بجزالة الشعر وهذه كلها من أسباب السيادة والسؤدد عند القدماء فإذا قالوا (العبد) - في أشعارهم - فهم لا يقصدون الزنجي ولا يخصون سواد اللون بالمهانة ولكنهم يقصدون كل أسير لم يفك أسره، وكل جليب يُباع ويُشترى في الأسواق وتجد فيهم الأصفر والأشقر والأبيض...

لقد كان الزنج قلة في بوادي الجزيرة العربية وحواضرها ولكن لما اتسعت الدولة في الفتوحات الإسلامية كثُر جلب الزنوج من القارة الأفريقية إلى فرضات البحار القريبة من العاصمة العربية وأكبرها البصرة في ذلك الحين... ولقد كان الرجل العربي يولد الجارية السوداء ويتبنى وليدها إذا أنجبت ذكراً وصلحت حاله وظهرت منه الفروسية والفصاحة، وربما كان له عبد يحمد خصاله فيعتقه ويستلحقه ويزوجه بنته أو ذات محرم منه ولا يمنعه ذلك عداء الجنس أو بغضاء اللون بل يمنعه عُرف اجتماعي توجد له النظائر في كل عُرف يدور حول الزواج ولو بين الأقرباء!

لقد كان بلال، رضي الله عنه، من أضنك العبيد حالاً قبل الإسلام وكانت حال العبيد هي السُّوأى بين طبقات المجتمع في الجاهلية ظُلماً للضعيف لا عداوة للجنس أو كراهة للسواد. ولكن بعد الإسلام أصبح الأمر كما قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه (أبو بكر سيدُنا وأعتق سَيّدَنا، يعني بلالاً رضي الله عنهم أجمعين). فتحول مفهوم السيادة إلى الإمامة في الدين والاستقامة وليس مجرد مفاخرة الحج أو النسب واللون التي هي من شعار الجاهلية قديماً وحديثاً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي