الفُكاهة تريحنا أثناء التفكير المُرَكّب
الضحك... دواء نفسي طبيعي يخفف الأعباء الذهنية
كشفت دراسة حديثة في علوم الأعصاب نشرها موقع «neurosciencenews.com» أن الضحك يؤدي وظيفة نفسية أعمق بكثير من مجرد التعبير عن البهجة، إذ تبيّن أنه يخفض العبء الذهني أثناء أداء مهام التفكير المعقّدة، ما يسمح للدماغ بمعالجة المعلومات بقدر أكبر من الكفاءة.
وأجرى باحثون من جامعة «باريس للعلوم والآداب» تجارب تضمّنت مراقبة نشاط الدماغ لدى مشاركين طُلب منهم حل مسائل رياضية وحِفظ متتاليات رقمية بعد مشاهدتهم لمقاطع فُكاهية وأخرى محايدة.
وأظهرت النتائج أن المجموعة التي تعرّضت لمثيرات مضحكة أتمّت المهام بدقة أعلى وبجهد ذهني أقل، وهو ما انعكس في انخفاض استهلاك قشرة الفص الجبهي للأوكسجين.
وأوضح القائمون على الدراسة أن هذا التأثير الإيجابي لا ينبع من تحسّن المزاج وحده، بل من آلية عصبية محدّدة.
ووجد الباحثون أن الضحك يُنشّط شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ، وهي المسؤولة عن أحلام اليقظة والتأمل الذاتي، ما يمنح قشرة الفص الجبهي المسؤولة عن التحكم التنفيذي استراحة قصيرة تعيد شحن قدراتها.
وأكدت أستاذة علم الأعصاب الإدراكي المشرفة على البحث أن هذه الاستراحة لا تُعطّل التفكير كما كان يُعتقد سابقاً، بل تسمح للدماغ بإعادة تنظيم موارده تماماً كما تفعل فترات الراحة القصيرة أثناء التمارين الرياضية المكثفة.
وشدّدت على أن التأثير ظهر جلياً لدى الأشخاص الذين أُرهقوا ذهنياً قبل بدء التجربة، ما يفتح الباب أمام استعمالات واعدة للفُكاهة في بيئات العمل عالية الضغط وفي إعادة التأهيل الإدراكي.
ورصدت الدراسة جملة من النتائج التي تفسر كيفية عمل الضحك كأداة لتفريغ العبء الذهني، ومن أبرزها:
• ينخفض استهلاك قشرة الفص الجبهي للأوكسجين أثناء المهام الصعبة بعد التعرّض للفُكاهة، ما يدل على كفاءة معالجة أعلى.
• يؤدي تنشيط شبكة الوضع الافتراضي إلى إتاحة المجال أمام الذاكرة العاملة لاستعادة توازنها الوظيفي.
• تستمر الآثار الإيجابية للضحك على الأداء المعرفي مدة تصل إلى 20 دقيقة بعد التعرّض للمثير المضحك.
• يكون الأثر العلاجي للفُكاهة أكثر وضوحاً لدى الأفراد الذين يعانون إجهاداً ذهنياً مسبقاً مقارنة بمن هم في حالة ذهنية مريحة.
ونبّهت الدراسة إلى أن نوع الفُكاهة المستخدمة يلعب دوراً محورياً في النتيجة، إذ تبيّن أن السخرية العدائية أو النكات التي تستهدف أشخاصاً بعينهم لم تُحدِث الأثر الإيجابي نفسه، بل إنها رفعت مستويات التوتر لدى بعض المشاركين.
وبناءً عليه، أوصى الباحثون باستعمال فُكاهة لطيفة وتفاعلية خالية من الإيذاء اللفظي عند توظيف هذه الاستراتيجية في السياقات التعليمية أو العلاجية.
وتفتح هذه النتائج نافذة جديدة على فهم العلاقة بين الانفعالات الإيجابية وكفاءة الدماغ، وتشير إلى أن إدخال جرعات مدروسة من المرح في الروتين اليومي ليس ترفاً، بل استثمار مثبت علمياً في صحة الدماغ وإنتاجيته.