«أوبك» تحتاجنا... ونحتاجها

تصغير
تكبير

- «أوبك» جاءت رداً على هيمنة عقود امتياز مجحفة وقعتها دول المنطقة
- ضعف «أوبك» قد يُعيد للشركات الكبرى قدرة تسعيرية ونفوذاً تاريخياً
- ترك النفط لقوى العرض والطلب وحدها لا يضمن توازناً وقد ينتج تذبذباً يضر المنتج والمستهلك 

لن تصبح سوق النفط سوقاً حرة إذا غابت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» أو ضعف تأثيرها. فمنذ نشأة الصناعة النفطية، كان تنظيم المنتجين لأنفسهم سمة أساسية في هذه السوق. ولكن التحوّلات التاريخية كانت تدور حول سؤال مركزي: مَنْ ينظّم السوق؟ الشركات الكبرى، أم الدول المالكة للمورد؟

فالنفط ليس سلعة عادية، وسوقه لا يعمل كأي سوق أخرى. فتركه لقوى العرض والطلب وحدها لا يضمن توازناً، بل قد ينتج تذبذباً حاداً يضر المنتج والمستهلك معاً. فإذا زاد المعروض قليلاً، قد تنهار الأسعار بما يُهدّد ميزانيات الدول المنتجة والاستثمارات في سوق الطاقة. وإذا نقص المعروض قليلاً، قد تقفز الأسعار بما يرفع كلفة النقل والصناعة، ويدفع الاقتصاد العالمي نحو التضخم. لذلك كان تنظيم النفط، تاريخياً، اعترافاً بالطبيعة الخاصة لهذه السلعة، لا خروجاً على منطق اقتصاد السوق.

ففي مطلع القرن العشرين، بنى جون روكفلر إمبراطورية «ستاندرد أويل» التي سيطرت على مراحل واسعة من صناعة النفط: التكرير، والنقل، والتوزيع، والتسعير. وبلغ نفوذها في ذروته حدّ الاستحواذ على نحو ثلثي تجارة النفط العالمية، حتى أصبحت رمزاً للاحتكار الاقتصادي الذي دفع الولايات المتحدة لاحقاً إلى تفكيكها بموجب قوانين مكافحة الاحتكار.

لكن تفكيك «ستاندرد أويل» لم ينهِ المنطق الاحتكاري في السوق النفطية. ففي عام 1928، اجتمعت الشركات الكبرى في قلعة أشناكاري بعدما أرهقتها المنافسة وانخفاض الأسعار، ووضعت اتفاقاً لتنظيم الإنتاج وتقاسم الأسواق والنفوذ. كان ذلك اعترافاً من الشركات نفسها بأن المنافسة غير المنضبطة في النفط قد تهدّد الصناعة كلها.

ثم جاءت التجربة الأميركية الرسمية لتؤكد المعنى ذاته. ففي ولاية تكساس، لم تترك الحكومة إنتاج النفط فوضى بين المنتجين، بل تفعّل دور لجنة سكك حديد تكساس في الثلاثينيات حين انهارت الأسعار. ورغم أن اسمها يوحي بأنها هيئة نقل، فإنها تحوّلت عملياً إلى أداة لضبط إنتاج النفط ومنع الفوضى السعرية. كانت تلك التجربة أقرب إلى «أوبك داخلية» قبل قيام المنظمة بسنوات طويلة، ودليلاً على أن أكثر الاقتصادات رأسمالية لم تترك النفط بلا ضبط عندما أصبح استقرار سعر الطاقة مهدداً.

ولا يمكن فهم منظمة «أوبك» إلا بصفتها رداً على هيمنة عقود امتياز مجحفة وقعتها دول المنطقة حين كانت في موقف تفاوضي أضعف. فقد كانت الشركات الغربية الكبرى، أو ما عُرف لاحقاً بـ«الأخوات السبع»، تعمل كاتحاد احتكاري إحدى أدواته نفط الشرق الأوسط، إذ كانت تسيطر على مراحل الصناعة النفطية في دول المنطقة، بينما كانت الدول المنتجة تملك النفط في باطن أرضها، لكنها مكبلة بعقود تحرمها من التحكم في كمية إنتاجها، وبالتالي في تسعيره.

كانت عقود الامتياز القديمة تمنح الدول المنتجة مكاسب ضئيلة، قبل أن تستطيع هذه الدول لاحقاً تعديل العلاقة نحو صيغ المشاركة، ثم التأميم، ثم إنشاء شركات بترولية وطنية تحرّرت تدريجياً من سيطرة الشركات الغربية الكبرى. ومن هنا جاءت «أوبك» ككيان تحرري استعاد سلطة التنظيم ونقلها إلى أصحاب الثروة الحقيقيين، مجسّدةً المعنى الذي لخّصه أحد مؤسسيها، وزير النفط السعودي الأسبق عبدالله الطريقي، في شعاره الشهير: «نفط العرب للعرب».

جاءت «أوبك» لتمنح الدول المنتجة صوتاً جماعياً في سوق كانت تُدار غالباً من خارجها، ولتجعل المورد الطبيعي جزءاً من السيادة الاقتصادية، لا مجرد سلعة تتحكم في قيمتها شركات عابرة للقارات.

وقياساً على طبيعة هذه السلعة وتاريخها، يمكن القول بثقة إن «أوبك» إذا ضعفت فلن يترك السوق فراغها طويلاً. بل سيظهر اتحاد احتكاري جديد يشبه «الأخوات السبع»، يؤدي الوظيفة ذاتها بأدوات أكثر تعقيداً: شركات طاقة كبرى، ومؤسسات مالية، ودول صناعية ضخمة قادرة على التأثير في الأسعار من خارج الدول المنتجة. والفرق أن هذا التنظيم البديل سيكون أقل شفافية، وأبعد عن مصالح الدول المالكة للنفط، وأكثر قرباً من مصالح المستهلكين الكبار وشركات الطاقة.

وعليه، تحتاج الكويت إلى «أوبك» لأنها لا تستطيع وحدها أن توازن نفوذ الدول الكبرى أو الشركات العالمية، إذ ستغدو في موقف تفاوضي ضعيف بمواجهتهما. بينما تمنح «أوبك» الدول المتوسطة والصغيرة منصة تفاوضية لا تستطيع امتلاكها منفردة. لذلك فإن مصلحة الكويت في المنظمة مصلحة إستراتيجية لحماية وزنها داخل سوق لا يرحم المنفردين.

وفي المقابل، تحتاج «أوبك» إلى الكويت أيضاً. فقوة المنظمة لا تُقاس بعدد أعضائها فقط، بل بحجم البراميل التي تخضع لتنسيقها مقارنة بحجم الصادرات العالمية. فكلما كبرت حصة «أوبك» من النفط المتداول عالمياً، زادت قدرتها على التأثير في توازن السوق والأسعار. وكلما خرجت براميل أكثر من إطارها، ضعفت قدرة المنظمة على أداء وظيفتها الأساسية: تنظيم المعروض ومنع الفوضى السعرية. لذلك فإن بقاء الكويت داخل «أوبك» ذو أهمية قصوى للطرفين؛ فالكويت منتج نفطي مهم، وتملك احتياطياً كبيراً، وموقعها داخل المنظمة يعزّز وزن «أوبك» الجماعي في مواجهة المنتجين خارجها والأسواق المستهلكة الكبرى.

لكن الدفاع عن «أوبك» لا يعني الدفاع عن الجمود. فتغير خريطة الإنتاج العالمي وتقلص عدد أعضاء المنظمة يفرضان التفكير في سياسة عضوية أكثر مرونة، تستقطب المنتجين الصاعدين خارجها، مثل غيانا، أو «كويت البحر الكاريبي» كما تُلقب بسبب ضخامة مواردها النفطية وصغر حجمها. تستطيع الكويت أن تقود نقاشاً داخل المنظمة نحو «أوبك» أكثر اتساعاً وانضباطاً، تقدم نفسها للعالم كمؤسسة استقرار لا كقوة رفع أسعار.

إن ضعف «أوبك» لا يحرر السوق بالضرورة، بل قد يُعيد للشركات الكبرى قدرة تسعيرية ونفوذاً تاريخياً انتزعته الدول المنتجة بشق الأنفس. وإضعاف المنظمة قد يعني التفريط في مكسب تاريخي تحقق لدولنا منذ عقود، حين انتقلنا من طرف ضعيف في عقود امتياز مجحفة إلى ملاك لكامل ثروتنا النفطية، ما عزّز مواردنا المالية وجعل دولنا غنية كما هي اليوم.

الدفاع عن «أوبك» دفاع عن مصلحة وطنية أولاً وأخيراً. فالتاريخ يقول إن غيابها قد يُعيد هيمنة شركات النفط الغربية، والواقع يقول إن النفط سلعة لا تحتمل وهم المنافسة الحرة المطلقة. لذلك، «أوبك» تحتاج الكويت، والكويت تحتاجها.

* أستاذ القانون العام – كلية الحقوق

- جامعة الكويت

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي