بين مطرقة ترامب وسندان نتنياهو... حرب إيران تدخل «المجهول»!

دخان غارات أميركية - إسرائيلية على طهران في مارس الماضي
دخان غارات أميركية - إسرائيلية على طهران في مارس الماضي
تصغير
تكبير

الحقيقة الجليلة التي تستشف من مجمل التحليلات الأمنية الإسرائيلية والأميركية، هي أن هناك فجوة إستراتيجية غير قابلة للجسر بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يبدو الرئيس دونالد ترامب غير متحمس لاستئناف الحرب الشاملة على إيران، بل ويبحث عن أي مخرج يسمح له بإعلان النصر والانسحاب، تتصرف حكومة بنيامين نتنياهو وكأن قرار استئناف القتال قد حُسم وسينفذ في أي لحظة - ليس لأنها تؤمن بالنصر العسكري، بل لأن رئيس وزرائها يبحث يائساً عن إنجاز مدوٍ يُغير صورة الاستطلاعات ويحرف النقاش الداخلي عن فضيحة قانون التجنيد والفشل الذريع في الشمال.

وفقاً لتحليل المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل، فإن ترامب «ليس متحمساً للعودة إلى حرب شاملة مع إيران»، وقد أعلن بنفسه أنه كان على بعد ساعة واحدة فقط من إصدار أمر شن هجوم جديد، الثلاثاء، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، بناءً على طلب خليجي.

لماذا يتردد ترامب؟

ثمة 4 أسباب جوهرية، تقف خلف تردد ترامب:

الخشية من حرب بلا طائل

يعاني الرئيس الجمهوري من استطلاعات رأي كارثية وارتفاع التضخم، ويخشى أن تقحمه الحرب في مستنقع لا نهاية له، تماماً كما حدث مع أسلافه.

كأس العالم كرهينة

تبقى ثلاثة أسابيع فقط على انطلاق بطولة كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة (مع كندا والمكسيك)، وهي مناسبة كان من المفترض أن تكون احتفالية بانتصاراته - وليس مسرحاً لحرب دموية.

الانتخابات النصفية تقترب

أي تصعيد عسكري قبل الانتخابات النصفية قد يقلب موازين شعبيته رأساً على عقب، وهو يدرك أن الناخب الأميركي لا يكافئ الرؤساء الذين يغرقون بلاده في حروب جديدة.

فشل الحرب السابقة واقع قاس

لم تؤد خمسة أسابيع ونصف الأسبوع من الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية المشتركة إلى انهيار إيران، وهذا بالذات ما يردع ترامب عن استئناف القتال حتى الآن.

المكالمة الهاتفية بين ترامب ونتنياهو

رغم أن التقارير المتاحة لا تقدم نصاً حرفياً للمكالمة - وهذا في حد ذاته مؤشر على حساسية مضمونها - فإن السياق والتسريبات تكشف عن مشهد متوتر بكل المقاييس.

وفقاً لصحيفة «يسرائيل هيوم»، فإن إسرائيل لم تُعلم مسبقاً بالقرار الأميركي بتمديد مهلة الحرب. وعلت «الصدمة وجوه المسؤولين الإسرائيليين» عندما فوجئوا بالقرار.

ثلاث رسائل أميركية قاطعة

«سأكون حازماً جداً مع نتنياهو»، بهذه العبارة القاسية، التي نقلتها مصادر دبلوماسية، وضع ترامب رئيس الوزراء، أمام أمر واقع: الولايات المتحدة هي التي تقود، وإسرائيل تتبع.

رسالة واضحة كالشمس

ترامب يريد إنهاء الملف الإيراني والانتقال إلى قضاياه الداخلية والاحتفالية (كأس العالم، الذكرى الـ 250 للاستقلال والانتخابات النصفية)، بينما نتنياهو يبحث عن حرب لإطاحة أجندته السياسية المتهاوية.

«نتنياهو سيفعل ما أريد»

بحسب المحلل العسكري يوءاف ليمور، أبلغ ترامب، نتنياهو، بهذه العبارة الحادة التي لا تحتمل التأويل، ما يؤكد أن الولايات المتحدة هي من تحدد الإيقاع، وإسرائيل مجرد أداة في المعادلة.

ما بين السطور: نتنياهو المحاصر داخلياً يبحث عن حرب

يقرأ المراقبون الإسرائيليون الموقف بوضوح قاس: نتنياهو يواجه فضيحة قانون التجنيد التي هزت ائتلافه، وفشلاً ذريعاً في جبهة الشمال حيث يستمر «حزب الله» في استنزاف الجيش الإسرائيلي يومياً، ولا يجد مخرجاً سوى حرب كبرى تُطيح بطاولة النقاش وتسمح له بتأجيل الانتخابات تحت ذريعة «أصمتوا، نطلق النار».

«حرب إلى الأبد طالما بقي النظام»

هذا هو التقدير الإسرائيلي القاتم كما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصدر أمني رفيع المستوى، «ينبغي تنسيق توقعات مع الجمهور، فالحرب ضد إيران طويلة. وطالما لا يسقط هذا النظام، يتوقع أن ندخل إلى جولات قتالية متتالية، ربما كل سنة وحتى بوتيرة أعلى» - أي حرب دائمة، بلا نهاية تلوح في الأفق.

النقاط الرئيسية في الموقف الإسرائيلي

- استمرار الحرب شرط بقاء النظام

تعتبر إسرائيل أنه طالما النظام الإيراني قائم على قدميه، فإنها ملزمة العودة إلى القتال مراراً وتكراراً، بوتيرة متصاعدة.

- تقديرات خطيرة

تقدر إسرائيل أنه كان بحوزة إيران أكثر من 2000 صاروخ بالستي قبل الحرب، وأن نصفها ما زال موجوداً وقادرة على تهديد إسرائيل.

- الاستعداد لاستئناف الحرب الآن

وفقاً للمصادر الأمنية، تم استغلال فترة وقف إطلاق النار بشكل مكثف لإضافة أهداف جديدة إلى «بنك الأهداف»، بما في ذلك اغتيال قياديين ومسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى.

- الوحل اللبناني يتعمق

بينما تستعد إيران لمواجهة محتملة، تغوص إسرائيل أعمق في الوحل اللبناني، حيث يواصل «حزب الله» إطلاق المسيرات المفخخة يومياً، ويعترف ضباط إسرائيليون بعجز الجيش عن إيجاد حل تقني فاعل لمواجهتها.

يقول المحلل العسكري يوءاف ليمور، «بنظر الإيرانيين، عدم الخسارة هو انتصار. وسيترجمون ذلك إلى قوة داخلية وإقليمية وعالمية. والأسوأ من ذلك كله: إذا فشلت الولايات المتحدة بقيادة ترامب في هزيمتهم، فمن المشكوك فيه أن تقدم دولة أخرى - أو رئيس آخر في واشنطن - على المحاولة مرة أخرى».

الشروط الإيرانية

طهران، التي تراقب تردد ترامب وحاجة نتنياهو اليائسة للحرب، وضعت شروطها للاتفاق:

- إنهاء الحرب والاغتيالات بشكل كامل وفوري.

- ضمانات دولية ملزمة بعدم تكرار الحرب.

- دفع تعويضات مالية تحدد قيمتها بوضوح وتعترف بها واشنطن.

- إنهاء الحرب على كل الجبهات (لبنان، العراق واليمن) في آن واحد.

- الاعتراف بحق إيران المطلق في السيادة على مضيق هرمز.

وبحسب مصدر أمني إسرائيلي مطلع، فإن «إيران تشكك في النوايا الأميركية، معتبرة أن الادعاء بالتفاوض هو الخداع الثالث لشراء الوقت استعداداً لعمل عدواني جديد»، وهذا يعني أن طهران لا تثق مطلقاً بواشنطن، وتتعامل مع كل تمديد لوقف إطلاق النار كفرصة لإعادة التسلح وترميم القدرات.

خيارات ترامب... 5 بدائل كلها نار

يقدم اللواء عاموس يدلين (رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق، وهو من أرفع المصادر موثوقية في إسرائيل) والعقيد عودي أفنتال، تحليلاً شديد الواقعية لخمسة بدائل أمام ترامب، وكلها محفوفة بمخاطر وجودية:

- اتفاق إشكالي: اتفاق يبقي على تخصيب اليورانيوم من دون رقابة شاملة... «اتفاق سيئ وخطير» يكرر أخطاء عام 2015.

- استمرار الحصار: مواصلة حصار الموانئ الإيرانية أملاً بالرضوخ... استنزاف الاحتياطيات النفطية العالمية، زعزعة الاقتصاد العالمي.

- كسر الحصار بالقوة: عملية عسكرية لفتح مضيق هرمز بالقوة... تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، وحرب شاملة بلا ضمانات.

- حرب مركزة/واسعة: ضربات للبنية التحتية أو عملية برية محدودة... ارتفاع أسعار النفط لسقف غير مسبوق وانهيار شعبية ترامب.

- إعلان النصر والانسحاب: انسحاب أحادي وإعلان «النصر الوهمي»... فقدان المكانة الأميركية إلى الأبد وتشجيع الصين وروسيا

4 سيناريوهات... واحد فقط يريح ترامب

- سيناريو أول (الأكثر ترجيحاً): تأجيل القرار وتمديد الحصار

مع اقتراب كأس العالم كالسيف على رقبة ترامب، من المرجح أن يختار الاستمرار في الحصار المفروض على إيران، أملاً في أن تؤتي الضغوط الاقتصادية المتصاعدة ثمارها، وأن يرغم التهديد للاقتصاد العالمي بكامله - خصوصاً الصين - النظام الدولي على تشكيل جبهة موحدة ضد طهران.

- سيناريو ثان: اتفاق في اللحظة الأخيرة... مستبعد

إذا شعرت إيران بأن الحصار يهدد استقرار النظام فعلياً، قد تظهر مرونة معينة. لكن التقديرات الإسرائيلية والأميركية تشير إلى أن الفجوة بين الطرفين واسعة جداً، والمتطلبات الأميركية تصل فعلياً إلى حد «الاستسلام الكامل»، وهو ما لن تقبله طهران ما لم تُسحق عسكرياً.

- سيناريو ثالث: حرب محدودة بعد كأس العالم

يرجح المحلل يوءاف ليمور أن الحرب - إن اندلعت - ستستمر من بضعة أيام إلى بضعة أسابيع فقط.

السؤال الحقيقي كما يقول ليس «هل ستندلع»؟ بل «متى»؟ والأرجح أن التوقيت سيكون بعد انتهاء بطولة كأس العالم لكرة القدم، وقبل الانتخابات النصفية... نافذة زمنية ضيقة قد لا تتجاوز شهرين.

- سيناريو رابع: الضربة القاضية... خيار البنتاغون الذي يخفيه ترامب

بحسب موقع «أكسيوس»، فإن البنتاغون تخطط لـ «ضربة قاضية» تشمل أربعة خيارات رئيسية، بعضها ينذر بحرب إقليمية شاملة:

- غزو أو حصار جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني.

- غزو جزيرة لارك، للسيطرة على مضيق هرمز عسكرياً.

- الاستيلاء على جزيرة أبو موسى.

- منع أو مصادرة السفن التي تصدر النفط الإيراني بالقوة.

الجبهة اللبنانية... «صورة قاتمة ومقلقة»

هذا الوصف الموجع جاء على لسان ضباط إسرائيليين يخدمون حالياً في جنوب لبنان، كما نقل عنهم عاموس هرئيل في «هآرتس». وهم يرددون عبارة قاسية: «مهمتنا الأساسية هي إعادة جنودنا إلى الديار بسلام»، أي أن الهدف قد تقلص من النصر إلى مجرد البقاء على قيد الحياة.

وهم يواجهون صعوبة في فهم الإستراتيجية التي يتصرف بموجبها ضباط الأركان العامة، بينما تستمر المسيرات المفخخة في إيقاع الخسائر يومياً، والحظر الأميركي يمنع شن غارات جوية على بيروت والبقاع.

الجبهة الداخلية... نتنياهو يلعب بخشبة الحرب

يرى المحللون في إسرائيل بوضوح قاسٍ، أن نتنياهو يبحث يائساً عن أي إنجاز - حقيقي أو وهمي - يُطيح جدول الأعمال الداخلي. فضيحة قانون التجنيد هزت ائتلافه، والفشل في الشمال يلاحقه يومياً، واستطلاعات الرأي تظهر تراجعاً كارثياً. الحرب بالنسبة له ليست ضرورة أمنية، بل ورقة سياسية للبقاء في الكرسي.

ولخص المحلل يوءاف ليمور الوضع قائلاً «يبدو أن الأمر قد حُسم. لم يعد السؤال، هل ستُشن الحرب، بل متى ستُشن»؟

ويضيف «القرار النهائي سيتخذه ترامب. صرّح بأنه كان سيُقرر الحرب يوم الثلاثاء، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. الآن هو الوقت المناسب، وإلا فمن يدري متى ستُشن، لأن منتصف يوليو سيشتعل بكأس العالم، ثم العطلة الصيفية، فانتخابات التجديد النصفي، ثم الشتاء مجدداً - والوضع يزداد صعوبة وتعقيداً».

الخلاصة القاسية لإسرائيل: أن ترامب لن يشن حرباً شاملة إلا إذا أُجبر عليها، وهو يبحث عن أي مخرج يسمح له بإعلان «النصر».

أما نتنياهو الذي يحتاج الحرب لإنقاذ نفسه سياسياً، فسيجد نفسه مضطراً للقبول بما يقدمه ترامب - سواء كان اتفاقاً سيئاً، أو حرباً محدودة بتوقيت أميركي، أو حتى انسحاباً أحادياً يترك إسرائيل تواجه مصيرها وحدها.

كما حذر الخبراء، من أنه إذا انسحب ترامب وأعلن «النصر الوهمي»، فستسيطر إيران فعلياً على مضيق هرمز، وستفقد الولايات المتحدة مكانتها كقوة عظمى في الشرق الأوسط، وستصبح إسرائيل في مواجهة نظام إيراني أكثر انتقاماً، يدرك أن السلاح النووي وحده هو الذي يضمن بقاءه.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي