الدولة تبنّت حلولاً استباقية قبل الحرب عزّزت مرونتها في الأزمة

تخزين النفط بالخارج... باب كويتي لتخفيف الاضطرابات القاهرة

تصغير
تكبير

-الكويت تخزن نحو 8 ملايين برميل في اليابان وكوريا الجنوبية
- تنفيذ إستراتيجية التخزين الخارجي رفع جاذبية الخام الكويتي
- أزمة «هرمز» أكدت أن البدائل اللوجستية لم تعد رفاهية بل ضرورة إستراتيجية

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعقّد المشهد الجيوسياسي في منطقة الخليج، برزت أهمية إستراتيجية تخزين النفط الكويتي في الخارج كأحد أهم أدوات إدارة المخاطر وضمان استمرارية الإمدادات.

ومع التهديدات التي طالت حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية لم يعد الاعتماد على المسارات التقليدية خياراً آمناً، ما دفع الكويت إلى تبني حلول استباقية تعزز مرونتها في مواجهة الأزمات.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية الشيخ نواف السعود، أن الكويت سارعت منذ اللحظات الأولى للتوترات إلى تطبيق خطط الطوارئ، عبر تخزين النفط في أسواق رئيسية بشرق آسيا، وسحب ناقلاتها من الخليج، وتحميلها بأقصى طاقة ممكنة لضمان حد أدنى من التغطية الإستراتيجية.

وتعتمد الكويت حالياً على تخزين كميات من النفط الخام في كل من اليابان وكوريا الجنوبية، بإجمالي يتراوح بين 7 و8 ملايين برميل، إذ يتم تخزين نحو 3.5 مليون برميل في اليابان عبر اتفاق مع شركة إينيوس، فيما تُخزن نحو 4 ملايين برميل في منشآت كوريا الجنوبية، خاصة في مدينة أولسان.

وتكمن أهمية هذه المواقع في قربها من الأسواق الآسيوية، التي تُعد الوجهة الرئيسية للصادرات النفطية الكويتية، ما يتيح سرعة تلبية الطلب وتقليل زمن الشحن، إضافة إلى خفض المخاطر المرتبطة بأي تعطّل محتمل في طرق الإمداد التقليدية.

أمن الإمدادات

ويأتي تأمين الإمدادات في مقدمة أهداف هذه الإستراتيجية، إذ يسمح وجود مخزون جاهز خارج منطقة الخليج للكويت بالوفاء بالتزاماتها التعاقدية حتى في حالات الطوارئ. فبدلاً من انتظار عبور الشحنات عبر مناطق متوترة، يمكن ضخ النفط مباشرة من المخزونات القريبة من العملاء.

وقد أثبتت الأحداث الأخيرة، التي شهدت شبه توقف في حركة السفن عبر مضيق هرمز، أن وجود بدائل لوجستية لم يعد رفاهية، بل ضرورة إستراتيجية، فالتوقف لو كان موقتاً كفيل بإحداث اضطرابات حادة في الأسواق ورفع الأسعار بشكل كبير.

إلى جانب البعد الأمني، تمثل هذه الإستراتيجية أداة تسويقية فعّالة، حيث تمنح الكويت ميزة تنافسية في الأسواق الآسيوية، فتوفر النفط بالقرب من العملاء يقلل زمن التسليم ويعزز موثوقية الإمدادات، ما يرفع جاذبية الخام الكويتي.

وتتيح آلية التخزين بالخارج الاستفادة من فروقات الأسعار بين الأسواق، إذ يمكن تخزين النفط في فترات انخفاض الأسعار وبيعه لاحقاً عند ارتفاعها، ضمن ما يُعرف بالرهان على هيكل الأسعار المستقبلية.

إدارة المخزون

وتساعد عمليات التخزين الخارجي أيضاً في تخفيف الضغط على مرافق التخزين داخل الكويت، خصوصاً في فترات ارتفاع الإنتاج أو تراجع الطلب. فبدلاً من خفض الإنتاج وهو خيار مكلف اقتصادياً يمكن توجيه الفائض إلى مخازن خارجية، ما يمنح صانع القرار مرونة أكبر في إدارة التوازن بين العرض والطلب.

ورغم ما يترتب على التخزين الخارجي من تكاليف تشمل النقل والتخزين والتمويل، فإن هذه المصاريف تُعد مبررة في ظل المخاطر الجيوسياسية الحالية، وتشير تقديرات سابقة إلى أن تكلفة تخزين البرميل قد تتراوح بين 50 و75 سنتاً، إلا أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع مع زيادة الطلب العالمي على السعات التخزينية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

لكن في المقابل، فإن الخسائر المحتملة الناتجة عن انقطاع الإمدادات أو فقدان الأسواق قد تكون أكبر بكثير، ما يجعل الاستثمار في التخزين بمثابة «وثيقة تأمين» ضد الأزمات.

وتتميز اتفاقيات التخزين التي تبرمها الكويت بطابع إستراتيجي، إذ غالباً ما تتضمن منح الدولة المستضيفة أولوية في شراء النفط المخزن في حالات الطوارئ، مقابل توفير السعات التخزينية بشروط ميسرة، وأحياناً دون مقابل مباشر، ويحقق هذا النموذج منفعة متبادلة، حيث تضمن الكويت مواقع تخزين قريبة من الأسواق، فيما تحصل الدول المستضيفة على مصدر موثوق للإمدادات في أوقات الأزمات.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن التخزين النفطي في الخارج لم يعد مجرد أداة تكتيكية، بل يتجه ليصبح جزءاً من مفهوم «السيادة الاقتصادية» للدول المنتجة، فامتلاك مخزون إستراتيجي خارج الحدود يمنح هذه الدول قدرة أكبر على التحكم في تدفقات النفط، والتأثير في الأسواق، والتعامل مع الأزمات بمرونة أعلى.

ومع استمرار التوترات في المنطقة، واحتمالات تكرار سيناريو تعطّل الملاحة في المضائق الحيوية، من المرجح أن تتوسع الكويت في هذه الإستراتيجية، سواء من حيث الكميات أو تنويع مواقع التخزين لتشمل مناطق جديدة.

وفي ضوء التحولات الراهنة، يبدو أن مستقبل صناعة النفط سيتجه نحو بناء شبكات تخزين عالمية مترابطة، تتيح للدول المنتجة توزيع مخزوناتها جغرافياً، وتقليل الاعتماد على مسارات محددة.

وبالنسبة للكويت، فإن تعزيز هذه الشبكة يمثل استثماراً طويل الأجل في أمنها الطاقوي، ويعزز قدرتها على الحفاظ على مكانتها كمورد موثوق في الأسواق العالمية، حتى في أكثر الظروف تعقيداً.

وتؤكد تجربة الكويت في تخزين النفط بالخارج أن إدارة الموارد الطبيعية لم تعد تقتصر على الإنتاج والتصدير، بل أصبحت تشمل إدارة المخاطر واللوجستيات والتسويق في آن واحد. وفي عالم يزداد اضطراباً، يصبح النفط المخزن خارج الحدود خط الدفاع الأول لضمان الاستقرار الاقتصادي واستمرارية التدفقات، ما يجعل هذه الإستراتيجية خياراً حتمياً لا غنى عنه في الحاضر والمستقبل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي