فلسفة الأعمال انتقلت من المسؤولية الاجتماعية لنهج مؤسسي متكامل
الاستدامة في الكويت... ركيزة إستراتيجية في بيئة الأعمال محلياً
- الاستدامة أصبحت معياراً رئيسياً لقياس كفاءة الأداء وقدرة البنوك والشركات على النمو
- الحوكمة المؤسسية والشفافية أكثر المحاور تطوراً بالقطاع الخاص
- تنامي اهتمام المستثمرين العالميين بمعايير البيئة والمجتمع والحوكمة
- البنوك والشركات تستثمر في برامج التدريب لنشر ثقافة الاستدامة بين الموظفين
شهد مفهوم الاستدامة لدى البنوك والشركات الكويتية السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً، انتقل معه من إطار تقليدي يرتبط بالمبادرات الخيرية والمسؤولية الاجتماعية الاختيارية، إلى نهج مؤسسي متكامل أصبح جزءاً أساسياً من الخطط التشغيلية والإستراتيجيات طويلة الأجل.
ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً لدى المؤسسات المحلية بأن الاستدامة لم تعد مجرد عنصر لتحسين الصورة الذهنية، بل أصبحت معياراً رئيسياً لقياس كفاءة الأداء المؤسسي، وقدرة الشركات على النمو، وجذب الاستثمارات، والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والبيئية العالمية.
ويأتي هذا التحول في سياق متسارع فرضته عدة عوامل، أبرزها تنامي اهتمام المستثمرين العالميين بمعايير البيئة والمجتمع والحوكمة «ESG»، واشتراطات الإفصاح والشفافية في الأسواق المالية، إلى جانب التوجهات الحكومية التي تضع الاستدامة ضمن مرتكزات رؤية الكويت 2035، الهادفة إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
إستراتيجية مؤسسية
وفي السابق، ارتبط مفهوم الاستدامة لدى شركات محلية عدة ببرامج المسؤولية الاجتماعية، مثل رعاية الفعاليات المجتمعية أو دعم المبادرات الإنسانية والتعليمية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً في النظرة المؤسسية لهذا المفهوم، حيث بدأت البنوك والشركات بإعادة صياغة إستراتيجياتها لتضمين معايير الاستدامة ضمن القرارات التشغيلية والاستثمارية.
وباتت الاستدامة اليوم جزءاً من آليات اتخاذ القرار، سواء في التمويل، أو إدارة المخاطر، أو التوسع الاستثماري، أو تطوير المنتجات والخدمات، وهو ما يعكس نضجاً في فهم المؤسسات لأهمية المواءمة بين الربحية والاستدامة.
الحوكمة والشفافية
وتعد الحوكمة المؤسسية والشفافية أحد أبرز المحاور التي شهدت تطوراً واضحاً في القطاع الخاص الكويتي، لا سيما مع تنامي متطلبات الإفصاح من الجهات الرقابية، وفي مقدمتها بورصة الكويت، التي دفعت الشركات المدرجة، خصوصاً في السوق الأول، إلى تبني تقارير الاستدامة والإفصاح المنتظم عن أدائها في الجوانب البيئية والاجتماعية والحوكمة.
وساهم هذا التوجه في ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تعتمد على القياس والإفصاح والتقييم المستمر، ما عزز ثقة المستثمرين، ورفع مستويات الشفافية، وأتاح للشركات فرصاً أكبر للوصول إلى رؤوس الأموال الباحثة عن استثمارات مسؤولة ومستدامة.
كما أن البنوك المحلية طورت أطر حوكمة داخلية متقدمة تشمل لجاناً متخصصة لمتابعة ملفات الاستدامة وإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية، بما يعزز قدرتها على التعامل مع التحديات المستقبلية.
وعلى الصعيد البيئي، شهدت الشركات الكويتية تطوراً ملحوظاً في إدماج الممارسات المستدامة ضمن عملياتها التشغيلية، خصوصاً في القطاعات ذات الأثر البيئي المباشر مثل الطاقة، الصناعة، والخدمات اللوجستية.
وبات قياس البصمة الكربونية وترشيد استهلاك الطاقة والمياه جزءاً من أولويات المؤسسات، إلى جانب تبني حلول تقنية حديثة تقلل الانبعاثات وتحسن الكفاءة التشغيلية.
وتبرز مبادرات بعض الشركات النفطية الكبرى، مثل شركة ناقلات النفط الكويتية، في تطوير كفاءة استهلاك الطاقة وتحديث البنية التشغيلية، كمثال على التحول نحو الممارسات البيئية الأكثر كفاءة.
كما شهد قطاع العقار والتطوير العمراني اهتماماً متزايداً بتطبيق معايير المباني الخضراء، بما يضمن تقليل استهلاك الموارد وتحسين كفاءة الطاقة على المدى الطويل.
العنصر البشري
ولم يعد مفهوم الاستدامة مقتصراً على البيئة والحوكمة، بل امتد ليشمل الاستثمار في العنصر البشري باعتباره حجر الزاوية في استدامة المؤسسات.
ولهذا، كثفت البنوك والشركات المحلية استثماراتها في برامج التدريب والتأهيل، بهدف نشر ثقافة الاستدامة بين الموظفين، ورفع الوعي بأهمية الممارسات المسؤولة في بيئة العمل.
كما توسع التركيز ليشمل ملفات الأمن السيبراني وحماية البيانات، باعتبارها جزءاً من الاستدامة التشغيلية، خصوصاً في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده القطاع المالي.
وتحرص المؤسسات كذلك على توفير بيئات عمل عادلة وآمنة، وتعزيز التنوع والشمول، وربط الأداء المؤسسي برفاه الموظفين واستقرارهم المهني.
التمويل المستدام
وربما يكون التطور الأبرز في مفهوم الاستدامة لدى البنوك الكويتية هو انتقاله إلى صلب النشاط المصرفي نفسه، من خلال تطوير أدوات ومنتجات مالية مستدامة، ودمج معايير الاستدامة في قرارات التمويل والاستثمار.
وباتت المؤسسات المالية تنظر إلى العوامل البيئية والاجتماعية كجزء من تقييم المخاطر الائتمانية والاستثمارية، في تحول يعكس إدراكاً متزايداً لتأثير التغيرات المناخية والتحولات التنظيمية على استدامة الأعمال.
كما بدأت بعض البنوك في طرح حلول تمويلية تدعم المشاريع ذات البعد البيئي والتنموي، بما يتماشى مع التوجه العالمي نحو التمويل الأخضر والمستدام.
ويمكن القول إن مفهوم الاستدامة في الكويت دخل مرحلة جديدة من النضج، عنوانها الانتقال من المبادرات الرمزية إلى الالتزام المؤسسي العميق، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على بناء مستقبل أكثر توازناً واستدامة.