وسط تنامي قوة الدولار والطلب المتزايد على السيولة
الذهب يعاكس قاعدته... ويتحرك بهدوء في التوترات الجيوسياسية
- تداولات المعدن الأصفر لم تفقد زخمها بل تشهد تحولات في هيكل الطلب
في وقتٍ اعتادت فيه الأسواق أن تتجه نحو الذهب مع كل تصعيد جيوسياسي، أظهرت التطورات الجيوسياسية الأخيرة سلوكاً مختلفاً، إذ لم يسجل المعدن الأصفر ارتفاعات حادة رغم التوترات الإقليمية، في تحول يعكس تغيراً أعمق في ديناميكيات الأسواق العالمية وأدوات التحوط.
واتجهت تدفقات رؤوس الأموال نحو الدولار بدلاً من الذهب، مدفوعة بارتفاع العوائد ومستويات السيولة العالية، ما جعله الخيار الأول للمستثمرين خلال فترات التوتر.
وتشير تحليلات وكالة بلومبيرغ إلى أن الدولار بات يحتفظ بقوته كملاذ آمن خلال الأزمات، مستفيداً من مكانته كعملة احتياط عالمية وسهولة تداوله مقارنة بالذهب، كما ويلعب ارتفاع أسعار فائدة السندات دوراً محورياً في تقليص جاذبية الذهب، كونه أصلاً لا يدر عائداً.
وفي هذا السياق، توضح تحليلات صندوق النقد الدولي أن بيئة الفائدة المرتفعة تعزز جاذبية السندات والأصول المدرة للدخل، ما يدفع المستثمرين لإعادة توزيع محافظهم بعيداً عن الذهب، لا سيما مع استمرار السياسات النقدية المتشددة.
ورغم التوترات السياسية والعسكرية، فإن الأسواق لم تشهد صدمة كبرى أو أزمة ممتدة تهدد الاقتصاد العالمي بشكل مباشر، ما حدّ حالة الذعر.
وتؤكد تقارير اقتصادية أن الأسواق تتفاعل بقوة مع الأزمات الشاملة، بينما تبقى استجابتها محدودة تجاه التوترات القابلة للاحتواء سياسياً وعسكرياً، كما أن الأسواق المالية أصبحت أكثر كفاءة في استيعاب الأخبار وتسعير المخاطر بشكل فوري، ما قلّص فرص الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب.
وتشير تقديرات البنك المركزي الأوروبي إلى أن تطور التكنولوجيا المالية وتسارع تدفق المعلومات ساهما في تسريع استجابة الأسواق للأحداث، مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.
أدوات التحوط
ولم يعد الذهب الخيار الوحيد للتحوط، إذ يتجه المستثمرون إلى أدوات متعددة مثل السندات الحكومية والنقد، إذ توضح بيانات مجلس الذهب العالمي أن هذا التنوع في الملاذات الآمنة أدى إلى توزيع التدفقات الاستثمارية، ما حدّ تركّزها في الذهب خلال فترات التوتر.
ورغم هذه العوامل الضاغطة، تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن سوق الذهب لم يفقد زخمه، بل يشهد تحولاً في هيكل الطلب، فقد بلغ إجمالي الطلب العالمي على الذهب خلال الربع الأول من 2026 نحو 1231 طناً، بينما قفزت قيمة الطلب عليه إلى مستوى قياسي بلغ 193 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع الأسعار.
وجاءت السبائك والعملات في صدارة المشهد، مسجلة 474 طناً بزيادة 42 %، في مؤشر على استمرار الإقبال على الذهب كأصل ملموس، خصوصاً في الأسواق الآسيوية، بحسب بيانات المجلس.
صناديق الاستثمار
وفي المقابل، تراجعت صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب إلى 62 طناً فقط، نتيجة تدفقات خارجة، خصوصاً من الأسواق الأميركية، ما يعكس تحولاً في سلوك المستثمرين نحو الحيازة المباشرة، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
كما واصلت البنوك المركزية تعزيز احتياطياتها عبر شراء 244 طناً من الذهب، في تأكيد على استمرار الثقة المؤسسية طويلة الأجل في المعدن الأصفر، حسب بيانات المجلس.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى تحول هيكلي في سوق الذهب، حيث أصبح الطلب الاستثماري يفوق الطلب الاستهلاكي، في ظل تراجع الطلب على المجوهرات بنسبة 23 % إلى 299.7 طن نتيجة ارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، حافظ قطاع التكنولوجيا على استقراره عند 81.6 طن، مدعوماً بالنمو في الصناعات المرتبطة بالإلكترونيات والذكاء الاصطناعي.
قوة الدولار
وإلى ذلك تشير تحليلات «صندوق النقد» و«بلومبيرغ» إلى أن تداخل العوامل النقدية، وعلى رأسها قوة الدولار وارتفاع الفائدة، إلى جانب تطور الأسواق وتنوع أدوات الاستثمار، أعاد تشكيل سلوك المستثمرين عالمياً.
وبذلك، أصبح ارتفاع الذهب اليوم مرتبطاً بعوامل أعمق، مثل تراجع أسعار الفائدة أو حدوث صدمة اقتصادية واسعة، بدلاً من مجرد تصاعد التوترات الجيوسياسية وحدها.