رأي قلمي

السباحة ضد التيار...!

تصغير
تكبير

إن المقصد الأساسي من أخذ المال هو التزكية للنفوس، وليس التملك، ولا الانتفاع بالمال، ولعلنا نلمح ذلك في قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. ونحن حين نتأمل الآية نجد أن كل إصلاح لأي جانب من جوانب حياتنا يعتمد بطرق عدة على إصلاح الثقافة، ومن المنطقي جداً أن تكون مواقفنا وسلوكياتنا وعلاقاتنا ليست سوى صدى لرغباتنا وتطلعاتنا وقيمنا ومصالحنا، وانعكاس لمشكلاتنا وأزماتنا أيضاً، لهذا، لابد أن يكون لدينا وعي ثقافي عالي الدرجات.

إن الوعي هو إدراك عميق، والثقافة هي مجموع ما يكتسبه الإنسان من عيشه في المجتمع، لهذا فإنها تشمل العقائد، والمفاهيم، والنظم، والعادات، والتقاليد، والتوقعات، والقيم... ونحن نبلور في أذهاننا المراد من الثقافة ونستحضر ما ليس منها، مثل ما نرثه من آبائنا وأجدادنا من صفات وخصائص جسمية وذهنية.... أي ما نحصل عليه بغض النظر عن المكان الذي نعيش فيه.

إن أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية يحرص على تجديد تقدمه وتطوره، وتعظيم مكتسباته الحضارية، سيجد نفسه في حاجة إلى تجديد وترشيد ثقافته، وإذا رجعنا إلى النصوص القرآنية والسنة النبوية، فإننا سنجد تركيزاً شبه مطلق على إصلاح الثقافة، وليس على الارتقاء بالمنتجات الحضارية في التجارة والصناعة ووسائل العيش والرفاهية، وحين يقع المجتمع في أزمة حضارية أو حالة من التدهور الحضاري، فإن الحلول تأتي من خلال التقدم الروحي والأخلاقي، أي من خلال الاستقامة الفردية والاجتماعية، ومن خلال الارتقاء بالمقاصد والغايات التي تتحكم في إنتاجنا للأشياء، وطرق توظيفها والاستفادة منها، ولن تأتي الحلول الأكثر أهمية من خلال التقدم في المجال الكيميائي أو التنظيمي أو الهندسي، هنا سيدرك العالم أن الفروق الجوهرية بين التخلف والتقدم لا تكمن في إنتاج السلع الفارهة، وإنما في السويّة الفكرية الروحية والأخلاقية التي بلغها مجتمع ما.

إن ثقافة أي مجتمع هي ذاتها المعنوية، وهي أداتها في وعي الوجود، وأداتها في الاستمتاع بالمنتجات المختلفة على الوجه الصحيح، والثقافة أيضاً هي المصنع الذي يحول الوعي الفردي إلى وعي جماعي، من خلال الأعراف والعادات والتقاليد وطرق التواصل. والعادات السيئة في الاستهلاك واستخدام الأشياء، كالأجهزة الإلكترونية، منتشر كما ينتشر الوباء، وذلك للعديد من الأسباب، أما الحكمة فإنها تنتشر ببطء مع شعور بالمعاناة، معاناة السباحة ضد التيار ومخالفة الرغبات.

إن الإنسان هو الذي يصنع حضارته في ظل ثقافته، والتقدم الحضاري من غير أساس ثقافي متين ورشيد هو تقدم أجوف. الثقافة هي أداة لمساعدتنا على التلاؤم مع ظروف الحياة ومتطلباتها، لهذا فإن ما لدينا من أعراف وعادات ومفاهيم وتوقعات قد يصبح غير ملائم للمعطيات المعيشية الجديدة، فيتحول من مساعد إلى عائق، ومن ثم فلا بد من التخلي عنه.

[email protected]

mona_alwohaib@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي