واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن الضغط على طهران سيؤدي إلى إضعاف «حزب الله»

مأزق ترامب... «صورة النصر» مع نتنياهو وعون ستخلق انقساماً عميقاً في الداخل اللبناني!

قصف مدفعي إسرائيلي على بلدات جنوب لبنان
قصف مدفعي إسرائيلي على بلدات جنوب لبنان
تصغير
تكبير

في وقت يسعى البيت الأبيض إلى التقاط «صورة النصر» بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، تكشف وثائق وتحليلات استخبارية عن واقع ميداني وإستراتيجي أكثر تعقيداً وخطورة.

فالصورة، التي يريدها الرئيس دونالد ترامب، قد تكون القشة التي تقسم لبنان، والفخ الذي يحول جنود الجيش الإسرائيلي إلى «طرائد»، للمسيّرات الانتحارية.

وفي السياق، استعرضت القناة الـ 14 في تقرير ثلاثية التهديدات المتشابكة وتشمل، المناورة الدبلوماسية الأميركية، الفجوة التكنولوجية القاتلة التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي على الأرض، والمتاهة اللبنانية، حيث بات «حزب الله» وحكومة عون على حافة الهاوية الداخلية.

«انتحار سياسي»

وتصاعدت وتيرة الضغط الأميركي بشكل غير مسبوق خلال الأيام الماضية، حيث دفعت واشنطن باتجاه عقد قمة ثلاثية تجمع ترامب - عون - نتنياهو في البيت الأبيض، لكن مصادر دبلوماسية أكدت أن بيروت تتعامل مع هذه الفكرة بحذر شديد، وتصفها بـ «الانتحار السياسي» في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي.

ووفقاً لتحليل سياسي معمق، فإن الموقف اللبناني رسمي وواضح، إذ يرفض عون اللقاء قبل وقف كامل النار وانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، ويعكس هذا الموقف مخاوف حقيقية من أن تكون القمة مجرد غطاء إعلامي «لإعادة تأهيل نتنياهو» دولياً، خصوصاً مع استمرار مذكرة اعتقال بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.

وفي خطوة وصفت بالمستفزة، خرج السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، بتصريحات نارية كشف فيها عن النوايا الأميركية بوضوح، قائلاً إن «اللقاء ليس تنازلاً»، مضيفاً أن نتنياهو ليس «بعبعاً».

لكن أخطر ما ورد في تصريحات عيسى، تحذيراً لكل من يفكر في مهاجمة بكركي (مقر البطريركية المارونية) أو تقويض العيش المشترك، بأنه يجب أن «يبحث عن بلد آخر ليعيش فيه».

على الجانب الآخر، كشفت محافل سياسية أن ما تريده تل أبيب ليس سلاماً تقليدياً بل تحالفاً عسكرياً ضد «حزب الله»، وتحويل الحرب إلى صراع داخلي وتحويل لبنان إلى منطقة نفوذ إسرائيلية.

كابوس المسيّرات

وبينما تنشغل القيادة السياسية بالصور والمفاوضات، يعيش الجنود الإسرائيليون في جنوب لبنان، جحيماً صامتاً يختلف تماماً عن أي حرب سابقة. لقد تحولت سماء الشمال إلى ساحة صيد مفتوحة للحزب باستخدام طائرات «FPV» (الرؤية من منظور الطيار) والطائرات المسيّرة المرتبطة بالألياف البصرية.

وفي تحقيق مفصل نشرته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بقلم لازار بيرمان، وصفت القيادة العسكرية الوضع بأنه «غير مسبوق».

فالمسيّرات الانتحارية التي يصعب تشويشها بسبب ارتباطها بالألياف البصرية، تجد طريقها إلى الجنود في مواقعهم، مما يحول المناطق الآمنة سابقاً إلى مقابر مكشوفة.

وبعد عقود من العمليات العسكرية التي كان الجنود فيها آمنين بمعرفة أن أي شيء يحلق فوقهم هو صديق، فإن الجيش يخوض الآن سباقاً مع الزمن لإيجاد حلول تكنولوجية وتكتيكية لهذا التهديد الذي كان يجب أن يراه قادماً.

واعترفت المؤسسة الدفاعية بشكل غير مباشر بالثغرة القاتلة، حيث أظهر تقرير لموقع «إسرائيل ديفينس» المتخصص في الشؤون الدفاعية، أنه تم البدء في نشر نظام جديد يعتمد على شبكات صيد صغيرة لاعتراض المسيّرات، لكن المصادر تؤكد أن النظام «لم يحقق نجاحاً تشغيلياً كبيراً» وأن إسرائيل لم تكن مستعدة لحجم الحملة المسيرة.

وأفاد موقع صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، بأن «إسرائيل تواجه مشكلة كبيرة في لبنان»، ما دفع القيادة إلى إعادة انتشار لواء غولاني في الشمال.

«الخط الأصفر 2»

وكشف أن الجيش لم يكتف بالبقاء في المواقع التي احتلها، بل بدأ في ترسيخ ما يُعرف بـ«الخط الأصفر 2».

وجاء إطلاق هذا المصطلح للمرة الأولى في قطاع غزة، حيث أقيمت مناطق عازلة.

وتحتل إسرائيل حالياً نحو 5 في المئة من الأراضي اللبنانية، وتقيم «منطقة أمنية» فعلية، حيث أعلن نتنياهو، صراحة أنه «لن ينهي احتلال الأراضي اللبنانية قبل نزع سلاح حزب الله بالكامل».

الاستعداد لحرب طويلة

وعلى الجانب الإسرائيلي، أقرت الحكومة رسمياً خطة تنقل أمن 16 بلدة حدودية من يد الشرطة إلى الجيش. هذا القرار، الذي وصفته صحيفة «جيروزاليم بوست» بأنه «غير مسبوق»، يعني أن تل أبيب تستعد لسيناريو قتال طويل الأمد، حيث سيتولى الجيش المهام الأمنية المباشرة في البلدات بسبب التهديد المستمر بقذائف الهاون والمسيّرات.

وهذا يعكس يأس القيادة من تحقيق الاستقرار عبر الدبلوماسية وحدها، وتجهيز الجبهة الداخلية لحرب استنزاف طويلة.

الاحتواء لا التفكيك

وبينما كانت المصادر السابقة تتحدث عن ضرورة تفكيك الحزب، كشفت وثائق دبلوماسية أميركية عن مقاربة أكثر واقعية، حيث تم الكشف عن مبادرة لاتفاق «عدم اعتداء» إقليمي.

وبدلاً من التفكيك المستحيل حالياً، تتجه الرؤية الأميركية إلى «احتوائه».

وتقوم فكرة الاحتواء على «انسحاب إسرائيلي كامل مقابل انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني؛ تنفيذ الجيش اللبناني خطة لنزع السلاح الثقيل والمسيّرات عن الحزب؛ ضخ أموال إعمار ضخمة من قبل أميركا ودول أخرى، ومهلة زمنية لحزب الله لتفكيك نفسه طواعية مقابل بقائه في الحياة السياسية».

سباق مع الزمن نحو الهاوية

ويريد ترامب، رسم صورته، تماماً كما أراد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لكن الظروف هنا مختلفة تماماً، فهو عالق بين «حاجة إسرائيل الملحة لرد اعتبار ميداني بعد فشلها في مواجهة جيش المسيّرات، ورفض لبناني قاطع للقاء قبل انسحاب فوري، بدافع الخوف من الطعنة في الظهر، وتهديد الحزب بفخ حرب أهلية أو استنزاف دموي للجيش الإسرائيلي باستخدام تكنولوجيا المسيّرات الرخيصة والقاتلة».

ويبقى السؤال الأكبر معلقاً: «هل ستكون صورة ترامب مع نتنياهو وعون هي البداية الفعلية لسلام الشمال، أم أنها ستكون مجرد استراحة محارب قبل موجة جديدة من العنف أكثر تدميراً مما سبق»؟

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي