عون لـ «حزب الله»: الخيانة ارتكبها من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية
التصدّع يُنْهِك هدنة لبنان... والصُداع السياسي يتعاظم مُنْذِراً بالأسوأ
- قاسم: مخرجات المفاوضات المباشرة كأنها غير موجودة بالنسبة لنا... ولن نتخلى عن السلاح
- كاتس: إذا استمرت حكومة لبنان في ظل الحزب فستندلع نارٌ تحرق أرز لبنان
للمرة الأولى منذ دخول لبنان دائرة وقف النار على متن «إعلان دونالد ترامب» الذي فَرَضَ على إسرائيل هدنةً مع «حزب الله» في 17 ابريل جدّدها الخميس لثلاثة أسابيع (بدءاً من 26 الجاري)، يرتسم التوازي الأخطر بين تَصَدُّع التهدئة الهشة وتَراكُم مؤشراتٍ تشي بإمكان عودة الحرب في أي لحظة وبين اشتداد الصُداع السياسي الداخلي، لدرجةٍ تُنْذر بانفجار، حيال ملف التفاوض المباشر مع اسرائيل، و«المبتدأ والخبر» في جوهره سحْب سلاح «حزب الله»، و«الموصول» حُكْماً بـ «الجبهة الأم» أي المكاسرة الأميركية - الإيرانية.
وفي وقت كانت واشنطن تستعدّ لاجتماعاتٍ يعقدها ترامب خلف الأبواب الموصدة لبحث الخطوة التالية على جبهة إيران في ضوء مراوحة المفاوضات في دائرة مقفلة، ويجتمع بنيامين نتنياهو بوزير دفاعه ورئيس الأركان لتحديد ما سيكون على جبهة لبنان التي ترتفع سخونتها وتنزلق من تصعيدٍ إلى أكبر، لم يكن عادياً أن ترتفع المتاريس السياسية إلى أعلى مستوى بين «حزب الله» والدولة بقيادة رئيس الجمهورية جوزاف عون.
وما زاد من حساسية اللحظة أن «حمولة» التصعيد السياسي الذي بدا معه الحزب وكأنه يخوض معركة «بالسلاح الأبيض» ضد السلطة التي يتهمها بالتخاذل وقريبون منه بـ «الخيانة»، تترافق مع إشاراتٍ غير مُطَمئنة في الشارع أطلّت من خلف توتراتٍ بدت مريبة ومفتعَلة في الأيام الأخيرة، من قلْب بيروت (ساقية الجنزير) المتخمة بالنازحين إلى شمال شرق العاصمة (الفنار - الرويسات)، بما عَكَسَ قابليةَ أن يخرج جمر الاحتقان الداخلي السياسي - الطائفي - المذهبي إلى فوق الرماد بـ «أول رمانة» تفجّر «القلوب المليانة».
وفيما كان «حزب الله» يحرق الجسور مع السلطة بمواقف توّجها أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في بيانٍ الإثنين، أشبه بـ «البلاغ الرقم 1» رفضاً للمفاوضات المباشرة ومخرجاتها «التي لا تعنينا وكأنها غير موجودة بالنسبة لنا» و«لن نتخلى عن السلاح والدفاع» مستعيداً شرط الإجماع على خيار السلم من دون الحرب، انبرى عون في أقوى موقفٍ ثبّت فيه خيار التفاوض وردّ على الحزب بلغة حازمة وغير مسبوقة اعتُبرت مؤشراً لإدراكه ما هو على المحكّ في حال تراجعت الدولةُ عن مسار استرداد سيادتها في الشق المتصل ببسط سيطرتها بقواها الذاتية حصراً على كل أراضيها كما المتعلق بالإمساك بزمام التفاوض على مصالح لبنان أولاً بدبلوماسيةٍ مستقلّة لا ترهن ملف «بلاد الأرز» بمسار إيران وطاولة اسلام أباد كما كانت تصرّ طهران.
«الخيانة»
وفي مواقف أطلقها أمام زواره وأكملت ما كان أعلنه في الكلمة التي وجّهها الى اللبنانيين قبل نحو أسبوعين، شدد عون على أن «ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية»، معلناً «واجبي أن أتحمل مسؤولية قراري وأقود بلادي على طريق الخلاص، ضمن الثوابت التي أكدتُ عليها، وهدفي هو الوصول الى انهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتفاقية الهدنة. فهل اتفاقية الهدنة كانت ذلاً؟ أنا لن أقبل بالوصول الى اتفاقية ذلّ»، ومعتبراً أنَّ «من جرّنا إلى الحرب في لبنان، يحاسبنا اليوم لأننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني، وهل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولاً بالاجماع الوطني"؟
وتساءل «إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخَرين على أرضنا، وآخرها حرب اسناد غزة وحرب اسناد ايران. فلو كانت الحرب تحصل من أجل لبنان، لكنا أيّدناها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيقاً لمصلحة الآخرين، فأنا أرفض الحرب تماماً».
ولفت الى «اننا أَبْلَغْنا الجانب الأميركي القائم بمساعيه مشكوراً، ومنذ اللحظة الأولى ان وقف النار هو خطوة أولى ضرورية لأي مفاوضات لاحقة وهذا ما كررناه في الجلستين اللتين عقدتا على مستوى السفراء في 14 و23 أبريل (على مستوى السفراء)، وهو ما كان قد ورد بشكل واضح في البيان الذي صدر عن الخارجية الأميركية بعد الجلسة الاولى، والذي أكدنا عليه ونَصَّ في فقرته الثالثة على انه«لن تقوم اسرائيل بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة في الأراضي اللبنانية برا وبحرا وجوا».
وفي إشارة إلى اتهام «حزب الله» السلطة بأنها وافقت على مضمون المذكرة الأميركية التي صدرت بعد جلسة التفاوض التمهيدية الأولى حول حق اسرائيل في الدفاع عن النفس، وهو ما حاول نتنياهو الإيحاء به الأحد، اضاف عون «هذا هو الموقف الرسمي للدولة اللبنانية مما يحصل في لبنان أو في واشنطن، وأي كلام آخر غير معنيين به ولا يوجد أي تغطية رسمية لبنانية له».
وأوضح أنه«قبل بدء المفاوضات بدأ البعض بتوجيه سهام الانتقادات والتخوين، والادعاء اننا نذهب الى المفاوضات مستسلمين، ونقول لهؤلاء انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة».
رفض التفاوض المباشر
وكان قاسم قال في بيان له «نرفضُ التفاوض المباشر رفضاً قطعياً وليعلم أصحاب السلطة أنّ أداءهم لن ينفع لبنان ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، معتبراً أنه«لا يمكن لهذه السلطة أن تستمر وهي تفرّط بحقوق لبنان وتتنازل عن الأرض وتواجه شعبها المقاوم».
ولفت الى أن مسؤولية السلطة «أن تتراجع عن خطيئاتها الخطيرة التي تضع لبنان في دوامة عدم الاستقرار، وهي مسؤولة أن توقف المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي وتعتمد غير المباشرة، وأن تلغي قرارها في 2 مارس الذي يُجرِّم المقاومة وشعبها»، مضيفاً «عودوا إلى الوحدة الوطنية فيربح الجميع ويخسر الأعداء».
واعتبر أنه «لم يكن ليحصل وقف النار لولا الجمهورية الإسلامية الإيرانية في محادثات باكستان، وذلك بعد الصمود الأسطوري للمقاومة وشعبها في لبنان. شكرا لإيران»، متحدثاً عن«يوم الثلاثاء يوم الخزي والعار في واشنطن في اجتماع مباشر مع العدو، أصدرت بعده وزارة الخارجية الأميركية اتفاقاً تذكر فيه توقيع حكومة لبنان عليه من دون أن تجتمع، وفيه وقف النار من جانب لبنان، وإطلاق يد إسرائيل باستمرار العدوان»، و«إقرار الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية بضرورة كبح أنشطة حزب الله وسائر المجموعات المارقة». لم نسمع تعليقًا من المسؤولين في السلطة! وهل قرّرت السلطة أن تعمل جنباً إلى جنب مع العدو الإسرائيلي ضد شعبها.
وتم التعاطي من خصوم «حزب الله» مع مواقف قاسم على أنها بمثابة محاولةٍ لإعادة ربْط المسارين اللبناني والإيراني في التفاوض عبر تظهير أن الدولة غير قادرة على تنفيذ أي التزامٍ تقوم به على طاولة واشنطن وسيكون «حبراً على ورق» (كما قال النائب حسن فضل الله) وأن «الإمرة» على «الزناد» كما في «زنار الامان» الذي يُراد أن يرتّب «اليوم التالي» للحرب تبقى في يد طهران.
كما اعتُبر بيان الامين العام، بعد بيان الحزب يوم الأحد، بمثابة «قنبلة دخانية» في طريق الصعود المرتقب لشريكه في الثنائية الشيعية رئيس البرلمان نبيه بري لعقد لقاء مع رئيس الجمهورية يُرجح أن يكون ثلاثياً بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام فيه، وذلك في إطار التهيئة لتفاهُم داخلي حول مسار التفاوض الرسمي المباشر الذي يُرتقب أن ينطلق خلال الأسابيع الثلاثة من الهدنة الممدَّدة -إذا صمدت - وأهدافه النهائية، وحول الإطار الناظم لتوافقاتٍ سياسية يمكن أن تكون أشبه بشبكةٍ «تمتص صدمة» الحزب بسحب سلاحه، ولا تخرج في أي حال عن اتفاق الطائف ومندرجاته، وهو المسار الذي تدفع في اتجاهه الرياض ودول عربية أخرى.
رفيع منسوب التهديد
في موازاة ذلك، رفع وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس منسوب التهديد للبنان، معلناً «أن نعيم قاسم يلعب بالنار وستحرق هذه النار حزب الله ولبنان بأكمله» و«عون يقامر بمستقبل لبنان، وإذا استمرت الحكومة اللبنانية في ظل حزب الله فستندلع نارٌ تحرق أرز لبنان».
وأكد «لن يكون هناك وقف حقيقي لإطلاق النار في لبنان مع استمرار قصف قواتنا»، و«أصدرنا تعليمات للجيش بالرد بقوة على حزب الله في حال أي انتهاك»، و«على الحكومة اللبنانية ضمان نزع سلاح حزب الله الذي يجب ان يمتد من جنوب نهر الليطاني حتى الخط الأصفر والى كامل لبنان، والجيش الإسرائيلي مستعد للمساعدة في مهمة نزع سلاح الحزب».
وأتى كلام وزير الدفاع بعد موجة تصعيد متبادل بدا معها أن وقف النار يتداعى وأن دومينو انهياره يتمدد جغرافياً من الجنوب الى البقاع الذي استُهدف، للمرة الاولى (مرتفع الشعرة في محيط بلدة النبي شيت) في ظل الهدنة الهشة، لتبقى حتى الساعة بيروت والضاحية الجنوبية خارج نطاق الاستهداف، في مقابل تكثيف الحزب هجماته بالصواريخ والمسيرات على شمال اسرائيل والقوات التي تحتل القرى اللبنانية ضمن منطقة «خط الدفاع الأمامي» حيث سقط الأحد جندي وجُرح آخرون وكاد الحزب أن يوقع عدداً كبيراً من القتلى عندما انقضّت مسيّرة على نقطة كانت هبطت فيها مروحية لإجلاء الجرحى في بلدة الطيبة (قضاء النبطية).
وترافق ذلك، مع مشاورات أمنية أجراها نتنياهو هاتفياً مع كاتس ورئيس الأركان ورؤساء أجهزة الأمن، وسط تهديدات بتوسيع الضربات، وفي ظل اعتبار أن أي خروج اسرائيلي من الهدنة بالكامل، وهو ما يتعرّض رئيس الوزراء لضغوط داخلية كبيرة كي يقوم به، يفترض المرور بواشنطن وموافقة ترامب على ذلك.
ورغم الاقتناع بأن ترامب لن يمنح موافقة على نسف هدنة لبنان وتالياً المفاوضات المباشرة بينه وبين اسرائيل، تفادياً لتشظيات ذلك على المسار الإيراني المعلَّق على مفاوضاتٍ يعاند الجميع حتى الساعة نعيها إلى غير رجعة ومن شأن الانفراج فيها أن يسهّل العمل على المسار اللبناني، فإن هذا لا يقلل من خطورة تمدُّد الخروق لوقف النار والخروج من خفض التصعيد إلى توسيعه والذي كان أدى الأحد إلى سقوط 14 ضحية في الجنوب بينهم طفلان ونساء بفعل استهداف نازحين خلال اخلاء بلدة كفرتبنيت الواقعة شمال الليطاني بعد إنذار وجهه الجيش الاسرائيلي.