الضفة الغربية... توسيع السيطرة الإسرائيلية وإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي
تشير ورقة صادرة من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، إلى تحول بنيوي عميق في السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، حيث يجري الانتقال من نموذج «إدارة الصراع» إلى نموذج جديد يقوم على «الحسم» وفرض السيادة.
هذا التحول يرتكز على مفهوم «الأمن المطلق» الذي يبرر توسيع السيطرة الإسرائيلية وإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي.
يعتمد هذا التحول على تبني ما يعرف بـ«خطة الحسم»، المرتبطة باليمين الأيديولوجي، والتي تهدف إلى إنهاء المشروع الوطني الفلسطيني عبر فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة، مع تقديم خيارات للفلسطينيين تشمل الإقامة دون حقوق سياسية أو الهجرة القسرية.
السلطة الفلسطينية
تعمل الحكومة الإسرائيلية على إضعاف السلطة الفلسطينية بشكل ممنهج، عبر أدوات اقتصادية وإدارية، مثل حجز «أموال المقاصة» وتقليص قدرة السلطة على دفع الرواتب والخدمات، ما يؤدي إلى تآكل شرعيتها الداخلية وتقويض قدرتها على الحكم.
على المستوى القانوني:
تحافظ إسرائيل شكلياً على وضع «الاحتلال»، لكنها تطبق فعلياً سيادة تدريجية من خلال سياسات ميدانية، تشمل السيطرة على الأراضي، وتوسيع النفوذ الإداري، وإعادة تشكيل نظام الملكية العقارية.
يتم تأطير الاستيطان كضرورة أمنية، بهدف كسب شرعية داخلية، رغم أن التوسع الاستيطاني يزيد العبء الأمني على الجيش ويخلق انتشاراً واسعاً للقوات، ما يضعف القدرة العملياتية ويزيد الاحتكاك مع الفلسطينيين.
يحذر قادة عسكريون من أن هذا التوسع قد يؤدي إلى إنهاك الجيش، بسبب زيادة عدد النقاط التي تحتاج إلى حماية، وتراجع الجاهزية القتالية، وتحويل الموارد من مكافحة العمليات إلى حماية المستوطنات والبؤر الزراعية.
محور الاستيطان
هناك تغييرات جوهرية في نظام الأراضي، مثل فتح السوق أمام شراء الأراضي من قبل الإسرائيليين، واستئناف تسجيل الأراضي في المنطقة C، وهي خطوات تحمل طابعاً سيادياً واضحاً وتؤسس لملكية إسرائيلية دائمة.
تسارعت وتيرة التوسع الاستيطاني بشكل غير مسبوق، مع قرار إنشاء 34 مستوطنة جديدة، إضافة إلى عشرات المستوطنات التي تمت الموافقة عليها منذ 2023، ما يؤدي إلى تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني وتعميق السيطرة الإسرائيلية.
في محور «الإنفاذ»، توسع إسرائيل صلاحياتها إلى مناطق A وB، بما يشمل التدخل في مجالات المياه والبيئة والتخطيط، ما يقلص من استقلالية السلطة الفلسطينية ويحولها إلى كيان إداري محدود الصلاحيات.
في محور «الحوكمة»، يتم نقل الصلاحيات إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية في مواقع حساسة مثل مدينة الخليل ومنطقة قبر راحيل (ما يعرف فلسطينياً بمسجد بلال بن رباح وهو موقع ديني وتاريخي مهم يقع عند المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم بالضفة)، ما يعكس انتقالاً من الإدارة العسكرية الموقتة إلى إدارة مدنية دائمة ذات طابع سيادي.
في المحصلة، تؤدي هذه السياسات إلى تغيير جذري في طبيعة السيطرة الإسرائيلية، من احتلال موقت إلى نظام سيطرة مدنية دائمة، مع تآكل الحدود بين مناطق A وB وC، وانهيار إطار أوسلو.
وتخلص الدراسة إلى أن الهدف الفعلي لهذه السياسات يتمثل في فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة ومنع أي تسوية سياسية مستقبلية، مع الدفع نحو واقع الدولة الواحدة غير المتكافئة.
تؤكد الدراسة أن الاعتماد على «الهدوء الموقت» يخفي ديناميات تفجيرية كامنة، حيث يؤدي الضغط المستمر على الفلسطينيين من دون أفق سياسي إلى زيادة احتمالات الانفجار واسع النطاق في الضفة الغربية.