اتساعها 45 كيلومتراً وأصلها ليس كونياً على الإطلاق

«ناسا» رصدت «عين الصحراء»... في قلب موريتانيا

تصغير
تكبير

في نظر من يتمعن في صورة وكالة ناسا من المحطة الفضائية الدولية فوق الصحراء الكبرى، فإن ذلك التكوين يبدو كأن كائناً عملاقاً أغمض عينه للحظة ثم فتحها، تاركاً بصمته المحفورة في رمال موريتانيا، لكن ما يُعرف بـ«عين الصحراء»، أو التركيب الريشاتي، لا يمتّ إلى صدمة نيزكية بأي صلة، بل هو ثمرة قصة جيولوجية أعمق وأكثر تشابكاً مما تُوحي به صورته المستديرة المثيرة.

وأكدت وكالة ناسا أن هذا التكوين - الذي تُعيد هيئة مرصد الأرض التابعة لها إبراز صوره بصفة دورية من محطة الفضاء الدولية - كان يُعدّ لعقود طويلة مرشحاً محتملاً لكونه فوهة نيزكية.

المبرر كان منطقياً في ظاهره: المواقع التي ارتطمت بها الأجسام الفلكية الضخمة تكون في الغالب دائرية، وهذا التكوين دائري بشكل لافت، لكن الحفريات الجيولوجية والتحليل الزلزالي دحضا هذه الفرضية وأسقطاها.

وما كشفت عنه الدراسات الجيولوجية هو أن تكوين «ريشاتي» عبارة عن قبة صخرية مرتفعة، أي ما يُصطلح عليه بـ«تقوّس الطبقات المحدب»، جرى تشكيلها عبر قوى تكتونية داخلية دفعت الطبقات الصخرية القديمة نحو الأعلى بصورة تدريجية على مدى ملايين السنين. ومع استمرار التعرية، بدأ الهيكل يكشف عن أحشائه الصخرية طبقةً تلو الأخرى.

وهنا يكمن المفتاح البصري للألغاز على النحو الآتي: ليست الطبقات الصخرية كلها متشابهة في صلابتها، إذ تتفاوت في مقاومتها للتعرية. والطبقات الأشد صلابة تقاوم لفترة أطول فتبقى كحواف دائرية بارزة تُسمى «الكويستات»، بينما تتراجع الطبقات الأقل صلابة وتنحسر، مُخلِّفةً ذلك النمط المتحدق المتناغم الذي يبدو من الفضاء كحدقة عين ضخمة محاطة بحلقات مستديرة متعاقبة.

وأفادت «ناسا» بأن الصورة الأصلية الموجودة في قاعدة بياناتها التُقطت في العاشر من شهر يوليو 2020 بكاميرا نيكون D5 رقمية من داخل المحطة الفضائية الدولية، وقد جرت معالجتها وتحسين تباينها لإبراز التفاصيل الجيولوجية بصورة أكثر وضوحاً وانتفاعاً علمياً.

لكن ما يستوقف العلماء لا يقتصر على الجيولوجيا الصامتة للتكوين، إذ تمتد الأهمية العلمية للصورة إلى الكثبان الرملية المحيطة به. وتكشف «ناسا» أن الكثبان من نوعَي الطولية والعرضية تُحيط بالتكوين من جوانبه المختلفة، وهي ليست مجرد خلفية جمالية، بل مُؤشرات حية لاتجاهات الرياح السائدة وتاريخها في هذه المنطقة. فمع كل تحول في اتجاه الرياح، تعيد الكثبان تشكيل نفسها وتمحو الأنماط القديمة لتكتب أنماطاً جديدة.

وتتجاوز قيمة هذا النوع من التصوير الفضائي جماليتَه البصرية نحو الفائدة الإجرائية في العلوم الأرضية، ويُبرز ذلك حضور هذا التكوين بوصفه معلماً ملاحياً لرواد الفضاء منذ أوائل البعثات الفضائية المأهولة، فالصحراء تبدو من الارتفاع فائقة الاتساع والاتحاد في رتابتها البصرية، مما يجعل كل علامة مميزة فيها ذات ثمن لا يُقدَّر على الصعيد الملاحي.

وتمتد تأثيرات الصحراء الكبرى ما وراء حدودها الرملية بصورة تفاجئ كثيرين. فحسب تقديرات «ناسا»، تُصدِّر الصحراء نحو مئة واثنين وثمانين مليون طن من الغبار سنوياً، يسقط ما يقارب سبعة وعشرين مليوناً وسبعمئة ألف طن منها على حوض الأمازون، حاملاً معه نحو اثنين وعشرين ألف طن من الفوسفور تُعدّ سماداً طبيعياً خارقاً يُعيل الغابة الاستوائية الضخمة. وتُشير البيانات إلى أن الغبار الصحراوي العابر للمحيطات يُسهم في نحو أربعة ونصف في المئة من إنتاجية المحيطات السنوية العالمية، وقد يصل دوره إلى ما بين عشرين وأربعين في المئة في بعض المناطق البحرية.

وخلاصة ما يُعلّمنا إياه تكوين «ريشاتي» هو أن الشكل الخارجي، مهما بدا قاطعاً، ليس دليلاً علمياً كافياً، وأن الصحراء الكبرى ليست ميتة راكدة بل منظومة نشطة ديناميكية تُشكّل الغلاف الجوي والمحيطات والغابات والغذاء البشري في آنٍ واحد، من ورائنا وراء آفاقنا بمسافات لم نكن لنتخيلها.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي