ما الذي يجب أن يفعله القادة حيال ذلك؟
الذكاء الاصطناعي «يحرق» الدماغ!
حين صُنِعت أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي، كان الوعد الرئيسي هو: ستتولى الآلة المهام الرتيبة المتكررة، فيما يتفرّغ الإنسان للتفكير الإبداعي والعمل الإستراتيجي. لكن الذي يحدث فعلياً في بيئات العمل الحديثة يُشير إلى عكس ذلك تماماً، وهذا ما يُحذّر منه الدكتور ديفيد روك، مؤسس مصطلح «القيادة العصبية» والرئيس التنفيذي لـ«معهد القيادة العصبية» (NLI)، في تعليق مشترك نشره بمجلة «فورتشن».
وتُوثّق الدراسة المرجعية التي يستند إليها التقرير وأجرتها كل من أرونا رانغاناتان وشينغقي ماغي يي على مدى 8 أشهر بصحبة مئتي موظف أن استخدام الذكاء الاصطناعي كثّف العمل عوضاً عن تبسيطه. وأفضت أبحاث مؤسسة «BCG» إلى وصف ظاهرة جديدة أسمتها «حرق الدماغ»، بمعنى أن استخدام الذكاء الاصطناعي جيداً، مُضافاً فوق متطلبات العمل الأخرى، يجعل الجهد المبذول مضاعفاً أو مُثلَّثاً، مما يُفضي إلى أخطاء متزايدة ونتائج أدنى جودة.
ويُقدّم روك وزميله تفسيراً عصبياً دقيقاً لهذه الظاهرة، وهو أن الدماغ البشري لا يشبه الآلة في قدرته على المعالجة المستمرة. فالذاكرة العاملة، التي ظننا لعقود أنها تتسع لسبعة عناصر في وقت واحد، أثبتت الدراسات الحديثة أنها في الواقع لا تستوعب أكثر من ثلاثة إلى خمسة عناصر في لحظة واحدة. وثمة طبقة ثانية أشارت إليها الأبحاث حديثاً تُسمى «الذاكرة متوسطة الأمد»، وهي الأخرى محدودة بصورة تفوق ما يتصوره الناس.
وتُلخّص الورقة البحثية ظاهرة ملاحظة أخرى مفادها أن لحظات الإلهام الإبداعية الكبرى، أو ما يُعبَّر عنها تاريخياً بـ«لحظة أرخميدس»، لا تنبثق في الأدمغة المُثقلة المشغولة بل في فترات الهدوء والفراغ الذهني حين يُتاح للعقل الباطن أن يُنجز التواصلات التي لا يستطيع العقل الواعي إنجازها في خضم الضجيج المعلوماتي.
ومن أبرز ما اقترحه روك من حلول عملية قابلة للتطبيق في بيئات العمل:
• تخصيص «زمن هادئ» مُقنَّن ومحمي من الاجتماعات واستخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث يتمكن الدماغ من معالجة ما تراكم لديه والتوصل إلى رؤى لا يمكنه استحضارها في الحالة الذهنية المُشبَعة.
• قياس الإنتاجية بالمُخرَجات لا بالساعات، خصوصاً لمَنْ يُدير عملاء ذكاء اصطناعي متعددين طوال يوم عمله.
• تدريب الموظفين على «ما وراء المعرفة»، أي التفكير في طريقة تفكيرهم، بما يُمكّنهم من توجيه الذكاء الاصطناعي لتحسين فرضياتهم وحلولهم لا لمجرد تنفيذ المهام بدلاً منهم.
وأكد تقرير أن الموظفين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي شركاء فكريون يمثلون نسبة ضئيلة من الإجمالي، بينما يُوظّفه الغالبية مُعفياً من المهمة لا مُعزِّزاً للتفكير، ما يضيف طبقة إضافية من إدارة المخرجات فوق العمل الأصلي.
وخلاصة القول هي أن الدماغ لم يتطور لمعالجة لا نهاية من الطلبات الرقمية، وأنه ما لم تضع المؤسسات حواجز وقائية واضحة وتُعيد هيكلة التوقعات بما يتوافق مع الحدود البيولوجية الحقيقية للعقل البشري، فإن ادعاءات الإنتاجية التي يعد بها الذكاء الاصطناعي ستتحوّل إلى حساب مؤجَّل بتكلفة مرتفعة من رصيد الصحة النفسية للقوى العاملة.