غياب لا يُحتمل

صالح الدويخ
صالح الدويخ
تصغير
تكبير

حين يرحل الكبار لا يعلن الحزن فقط... يعلن الفراغ، وحين ترحل حياة الفهد نشعر وكأن الفن نفسه فقد حياته. «أم سوزان»، رحمها الله، كانت وجهاً مألوفاً يشبهنا، صوتاً يهدئنا، وقلباً يحتضننا كلما ضاقت بنا الدنيا.

كنا نراها أختاً ناصحة تقول الكلمة التي نحتاجها من دون تكلّف، وتضع يدها على الجرح من دون أن تؤلمنا، وأحياناً كانت الصديقة التي تضحك للحياة رغم قسوتها، وتؤمن بأن الفن قدرها الذي من خلاله جمعت هذا التأثر الذي يعيشه محبوها بعد غيابها، وكثيراً كانت أُمّاً لنا تُشبه الأمهات في خوفهنّ، في حنانهنّ، في تلك النظرة التي تقول كل شيء من دون كلام، ونركض نحوها في أدوارها، فنضحك من دون توقف ونبكي من دون أن نخجل.

كانت تعيش الدور في أعمالها بكل جوارحها، فتترك فينا شيئاً لا يمكن تفسيره ولا يمكن نسيانه، كم من ليلة بكينا معها، وكم من مشهد ظل عالقاً في أرواحنا، وكم من كلمة قالتها لتصبح جزءاً منا من دون أن نشعر.

برحيلها، نفقد ذاكرة بيت وصوت أم وظل إنسانة كانت تمشي معنا في تفاصيل حياتنا، «أم سوزان» تركت إرثاً لا يُقاس بعدد الأعمال، إنما بعدد القلوب التي لمستها، والدموع التي صنعتها بصدق، واليوم... حين نذكر اسم حياة الفهد، لا نذكر شخصاً بقدر ما نستحضر مرحلة كاملة من تاريخ الفن الكويتي.

وحده اسمها كان ضمانة للعفوية الحقيقية من دون تصنّع، سواء في حياتها الشخصية أو الفنية، ومرآة تعكس المجتمع بكل تناقضاته، كانت جزءاً من تفاصيل الناس البسطاء، حتى أصبح اسمها حكاية فن نشأ وتطوّر على كتفي جيل نسائي كانت هي في مقدمته.

كانت من الروّاد الذين صنعوا هوية الفن الكويتي نفسه، في زمن كانت فيه البدايات صعبة، والإمكانات محدودة، فوقفت بثبات، وأسهمت في ترسيخ الدراما الكويتية كأحد أهم أعمدة الفن في الخليج، هي من الذين رسموا ملامحها، ووضعوا أسسها، وتركوا للأجيال من بعدها طريقاً واضحاً يُحتذى.

اليوم، نقف أمام الغياب عاجزين عن التصديق، كأننا فقدنا أحداً من أهلنا لا نجمة على الشاشة. رحلت «أم سوزان»، فأصبح الفن بلا حياة، وبقيت أعمالها تنبض، كأنها تقول لنا: «ما زلت أعيش فيكم».

نهاية المطاف: رحم الله «أم سوزان»... وألهم قلوبنا جميعاً الصبر... فبعض الغياب لا يحتمل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي