تحالفٌ صاغته الأزمات وثبّتته المصالح الإستراتيجية
من الأمن البحري إلى الشراكة الدفاعية... 9 محطات مفصلية في العلاقات الكويتية - البريطانية
- اتفاقيات مفصلية رسمت ملامح العلاقة ورسّخت معادلات الاستقرار
- دعم متبادل في الحروب العالمية كشف عُمق التحالف الإستراتيجي
- معارك مفصلية شكّلت اختباراً حقيقياً لالتزامات الطرفين
- الغزو العراقي 1990… لحظة فارقة أكدت صلابة الموقف البريطاني
- تعاون عسكري واستخباراتي يعكس ثقة تراكمت عبر الأجيال
- حضور بريطاني مستمر في دعم القدرات الدفاعية الكويتية
- تقنيات حديثة وأنظمة متقدمة لمواجهة تهديدات العصر
- تنسيق ميداني وتدريب مشترك يُعزّزان الجاهزية القتالية
منذ البدايات الأولى للعلاقات الكويتية - البريطانية في القرن الثامن عشر، تبلورت هذه الصلة على أسس راسخة من التعاون والتفاهم، مدفوعة برغبة مشتركة في صون الاستقرار في منطقة الخليج العربي.
ومع تعاقب العقود، تجاوزت هذه العلاقة حدود التواصل الدبلوماسي التقليدي، لتغدو شراكة إستراتيجية متينة، لاسيما في المجال الأمني، حيث خاض البلدان معاً تحديات معقدة واختبارات قاسية، كشفت عن عمق الترابط بينهما.
وقد وثّق الباحث في العلاقات الكويتية - البريطانية عيسى عبدالرسول دشتي، هذه المسيرة في مؤلفاته، مستعرضاً محطات مفصلية أسهمت في ترسيخ ملامح التعاون الأمني بين البلدين حتى يومنا هذا.
1841 الانضمام لمنظومة أمن الخليج
وقّعت الحكومة البريطانية في 8 يناير 1820، معاهدة مع مشيخات الخليج، بهدف تنظيم العلاقات بينها وضمان الاستقرار والأمن البحري، وحماية السفن من المخاطر الناتجة عن النزاعات الإقليمية. لم تنضم الكويت إلى المعاهدة وقتها، ومع تصاعد التوترات بين بلاد فارس والدولة العثمانية والإمبراطورية البريطانية، وما ترتب عليه من تأثيرات سلبية على الملاحة البحرية وأنشطة الغوص على اللؤلؤ، رأت الكويت ضرورة الانضمام إلى منظومة الأمن البحري في الخليج.
وبناءً على ذلك، انضمت إلى الاتفاقية البحرية في 23 أبريل 1841، لتُعد هذه الخطوة أول اتفاقية رسمية بين الكويت وبريطانيا، وهدفت إلى تعزيز الأمن البحري ومكافحة القرصنة.
وقّع الاتفاقية عن الجانب الكويتي الشيخ صباح بن جابر الصباح (الذي أصبح لاحقاً الحاكم الرابع للكويت) نيابة عن والده الشيخ جابر بن عبدالله الصباح.
1899 اتفاقية ترسيخ الحماية والاستقرار
يُعد عام 1899 من أبرز المحطات في تاريخ العلاقات الكويتية - البريطانية، إذ شهد إعادة تنظيم هذه العلاقات بصورة أكثر وضوحا، ووضع الأسس التي قامت عليها طبيعة التفاعل بين البلدين في المراحل اللاحقة، عبر اتفاقية لترسيخ الحماية والاستقرار.
تمثلت أبرز ملامح الاتفاقية في ضمان أمن واستقرار الكويت في مواجهة التهديدات الخارجية، إضافة إلى التزام الكويت بعدم التنازل عن أي جزء من أراضيها أو رهنه أو تأجيره لأي دولة أخرى دون موافقة بريطانيا، وكذلك عدم السماح بوجود ممثلين أو وكلاء لدول أجنبية داخل الكويت إلا بموافقة مسبقة من الجانب البريطاني.
1914 دعم الكويت لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أعلن حاكم الكويت السابع الشيخ مبارك بن صباح الصباح، دعمه لبريطانيا ووقوفه إلى جانبها، حيث تحولت الكويت إلى قاعدة استراتيجية لعمليات القوات البريطانية في المنطقة.
شمل الدعم تقديم التسهيلات العسكرية واللوجستية، وتوفير المعلومات ذات الطابع الاستخباراتي، إضافة إلى الدعم الإنساني من خلال التبرعات للصليب الأحمر البريطاني.
كما أتاح الشيخ مبارك استخدام الموانئ والأراضي الكويتية لخدمة العمليات البريطانية، مما يعكس عمق التحالف بين الطرفين في تلك المرحلة.
1920 الدعم البريطاني في معركة الجهراء
قدّمت بريطانيا في عام 1920، دعماً عسكرياً وسياسياً حاسماً للكويت خلال معركة الجهراء، تمثّل في ممارسة ضغوط عسكرية عبر التدخلين الجوي والبحري ضد قوات الإخوان (إخوان من طاع الله)، إلى جانب تقديم دعم لوجستي لحاكم الكويت الشيخ سالم المبارك الصباح، استنادا إلى اتفاقية الحماية لعام 1899.
أسهم هذا الدعم في إجبار المهاجمين على التراجع والدخول في مسار تفاوضي.
وتشير الروايات إلى أن المعتمد البريطاني في الكويت، الميجر مور، طلب من المندوب السياسي البريطاني في العراق السير بيرسي كوكس، إرسال طائرات بريطانية لاستهداف مواقع الإخوان وتشتيت قواتهم، في حين أمّنت البحرية البريطانية السواحل وحمت مدينة الجهراء.
ولوّحت بريطانيا بالتدخل العسكري المباشر، مما شكّل ضغطاً كبيراً أدى إلى وقف القتال ومنع سقوط الكويت.
وفي أعقاب ذلك، أسهمت بريطانيا في معالجة التوترات الإقليمية من خلال مؤتمر العقير عام 1922، الذي انتهى بترسيم الحدود، رغم ما ترتب عليه من اقتطاع أجزاء من الأراضي الكويتية.
1928 الدعم البريطاني في معركة الرقعي
قدّمت بريطانيا في عام 1928، دعماً عسكرياً وسياسياً مباشراً للكويت، خلال معركة الرقعي؛ حيث تمركزت قوات بريطانية في المناطق الحدودية بهدف تأمينها وحماية الكويت من هجمات الإخوان. ووثّقت المصادر التاريخية الحضور العسكري البريطاني الذي جاء في إطار التزامات اتفاقية الحماية، لضمان استقرار الوضع الأمني في الإمارة.
شمل الدعم المشاركة في الترتيبات العسكرية وتأمين الحدود، وتوفير غطاء ردعي حال دون توسع الهجمات. وتناولت بعض الصحف البريطانية أحداث المعركة التي وقعت في 28 يناير 1928، مشيرة إلى تفاصيل المواجهات، ومن بينها رواية أحد الجنود البريطانيين الذي وصف طبيعة العمليات العسكرية وتنسيق الجهود بين القوات الكويتية والبريطانية.
1939 دعم الكويت لبريطانيا في الحرب العالمية الثانية
قدّمت الكويت في عهد حاكمها الشيخ أحمد الجابر الصباح، دعماً ملموساً لبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، تمثّل في الإسهام في المجهود الحربي رغم التحديات الاقتصادية آنذاك.
شمل الدعم تمويل بعض السفن والمبادرات العسكرية، إضافة إلى تقديم مساهمات مالية لصالح بريطانيا.
وتبرّعت الكويت إلى جانب عدد من حكام الخليج، بمبلغ قُدّر بنحو 50 ألف جنيه إسترليني لصندوق دعم الطائرات الحربية، وهو مبلغ أسهم في تمويل شراء عدد من الطائرات المقاتلة من طراز «سبيتفاير» لصالح سلاح الجو الملكي البريطاني.
وأُطلق على بعض هذه الطائرات أسماء ذات دلالة رمزية، مثل «الكويت» و«الجهراء»، تعبيراً عن تقدير بريطانيا للدعم الكويتي خلال الحرب، وهو ما يعكس عمق العلاقات بين الطرفين في تلك المرحلة.
1961 الأزمة العراقية - الكويتية
يمثّل العام 1961 محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الكويتية - البريطانية، إذ شهد انتقال هذه العلاقات إلى مرحلة جديدة عقب استقلال الكويت. ففي 19 يونيو 1961، وقّعت وثيقة الاستقلال في قصر السيف بمدينة الكويت، منهيةً الحماية البريطانية.
غير أن هذا التحوّل لم يدم طويلاً دون تحديات، إذ أعلن رئيس الوزراء العراقي عبدالكريم قاسم، بعد ستة أيام فقط من استقلال دولة الكويت، مطالبته بضم الكويت إلى العراق.
في مواجهة هذا التهديد، سارعت بريطانيا إلى تقديم الدعم العسكري للكويت ضمن عملية«فانتاج»، حيث أرسلت قوات بلغ قوامها نحو 5 آلاف جندي لتأمين البلاد وردع أي تحرك عسكري محتمل.
استمرت القوات البريطانية في أداء هذا الدور حتى أكتوبر 1961، حين تم استبدالها بقوات عربية ضمن إطار دعم إقليمي للكويت، ما يعكس استمرار التزام بريطانيا بأمن الكويت حتى بعد انتهاء الحماية الرسمية.
1990 الغزو العراقي للكويت
تجلّت متانة العلاقات الكويتية - البريطانية بصورة واضحة خلال الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990، إذ كانت بريطانيا من أولى الدول التي دانت الغزو؛ حيث عبّرت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر، ولاحقاً جون ميجور، عن موقف حازم داعم للشرعية الكويتية.
شاركت بريطانيا بفاعلية ضمن التحالف الدولي لتحرير الكويت، من خلال عملية غرانبي، حيث أرسلت قوات عسكرية كبيرة، وأسهمت بشكل مباشر في العمليات القتالية ضمن عملية عاصفة الصحراء في 1991.
كما كانت الفرقة المدرعة الأولى البريطانية جزءاً من التحالف الذي استهدف إنهاء الاحتلال العراقي وإعادة الشرعية الكويتية. وبلغ عدد القوات البريطانية المشاركة نحو 35 ألف جندي، في واحدة من أكبر عمليات الانتشار العسكري البريطاني منذ الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يعكس حجم الالتزام البريطاني تجاه أمن الكويت واستقرارها، في إطار حماية المصالح الإستراتيجية ودعم الحلفاء في المنطقة.
2026 العدوان الإيراني على الكويت
منذ اليوم الأول للعدوان الإيراني على دولة الكويت في 28 فبراير 2026، والذي جاء نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، دانت بريطانيا هذا العدوان بشدة، وكان موقفها ثابتاً في دعم ومساندة الكويت، والعمل على حمايتها والدفاع عنها.
ورغم أن هذه الحرب ليست حرباً بريطانية، فإن بريطانيا لم تتجاهل التصرفات الإيرانية التي تهدد حياة المواطنين البريطانيين ومصالح المملكة المتحدة، وتعرّض حلفاءها في الخليج للخطر.
وبناء على ذلك، وافقت بريطانيا على اتخاذ إجراءات محددة ومحدودة ذات طابع دفاعي بحت، بهدف حماية حلفائها في المنطقة استجابة لهذه التصرفات المزعزعة للاستقرار.
وأكدت بريطانيا أن دورها يقتصر على الجانب الدفاعي، ويرمي إلى حماية مصالحها في المنطقة ودعم منظومة الدفاع الجماعي لحلفائها، ومن ضمنهم الكويت، مع الحرص على عدم الانجرار إلى حرب أوسع، والاستمرار في التعاون الوثيق مع دول الخليج.
وتمثلت هذه الإجراءات في خطوات عدة؛ بينها نشر قدرات ومعدات بريطانية داخل دولة الكويت، من بينها نظام يُعرف باسم«Rapid Sentry»، المخصص لحماية المجال الجوي الكويتي من خلال قدرات متقدمة لمواجهة الطائرات المسيّرة، إلى جانب معدات أخرى تهدف إلى التصدي للهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار.
أما الإجراء الثاني فتمثل في وصول عدد من خبراء سلاح الجو الملكي البريطاني، الذين يعملون بالتنسيق مع القوات الكويتية لتقديم المشورة في إدارة المجال الجوي، وتفادي أي اشتباك بين الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي، فضلاً عن تقديم برامج تدريبية للطيارين الكويتيين، لاسيما في مجال مواجهة الطائرات المسيّرة.
في حين تمثل الإجراء الثالث في استمرار وجود البعثة العسكرية البريطانية في الكويت منذ أكثر من 34 عاما، والتي تضم أكثر من 30 فردا يعملون ضمن القوات المسلحة الكويتية، حيث يقدمون التدريب والاستشارات، ويسهمون في دعم القدرات الدفاعية للكويت في ظل العدوان.
شراكة تُدار بالثقة
تعكس هذه المحطات التسعة مسيرة طويلة من التعاون الأمني بين الكويت وبريطانيا، قامت على الثقة المتبادلة والالتزام المشترك بحماية المصالح الإستراتيجية.
وعلى مدى أكثر من قرنين، أثبتت هذه العلاقة قدرتها على التكيّف مع المتغيرات، والاستمرار كإحدى أهم الشراكات في المنطقة، بما يعزّز أمن واستقرار الخليج، ويخدم مصالح الشعبين الصديقين.