محيي الدين: المنطقة تمتلك فرصة لإعادة صياغة نموذج أكثر تنوعاً واستدامة

«الأمم المتحدة»: اقتصادات الخليج... متينة أمام الصدمات

تصغير
تكبير

- مرحلة ما بعد الحرب قد تفتح المجال خليجياً لاستقطاب استثمارات أجنبية عالية التكنولوجيا 
- تدفقات مالية ستوجه لبناء القطاعات المتضررة بالمنطقة أو لمسارات جديدة

قال المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية الدكتور محمود محيي الدين إن على دول العالم العمل لإزالة شبح الركود التضخمي، مضيفاً أن اقتصادات الخليج متينة وقادرة على التصدي للصدمات غير المتوقعة.

وذكر محيي الدين، في مقابلة مع «العربية Business» على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، أن آثار تداعيات الحرب على دول الخليج، «معروفة ومثبتة»، لافتاً إلى أن التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي أظهر بوضوح مدى تأثر الاقتصادات الخليجية، لاسيما من حيث تباطؤ النمو المرتبط بالقطاعات التصديرية، سواء في مجال الطاقة أو غيره.

وأضاف أنه في المقابل، تحظى دول الخليج بإشادة واسعة نظراً لمتانة اقتصاداتها ومجتمعاتها، وقدرتها على امتصاص الصدمات غير المتوقعة، حتى تلك التي تأتي «بعنف شديد». وأكد وجود قدر كبير من التعويل على مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، والتي قد تفتح المجال أمام استقطاب استثمارات أجنبية عالية التكنولوجيا، إضافة إلى تدفقات مالية موجهة إما لإعادة بناء القطاعات التي تضرّرت نسبياً، أو لبناء مسارات اقتصادية جديدة.

وأشار محيي الدين إلى أن التجربة الحالية تحمل دروساً مهمة لدول الخليج بشأن مستقبل اقتصاداتها، لاسيما في ما يتعلق بمسار التنويع الاقتصادي الداخلي الذي بدأت فيه بالفعل، وكذلك دورها المتنامي على الساحة الاقتصادية العالمية، مؤكداً أن «ما بعد الحرب قد يشكّل فرصة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي على أسس أكثر تنوعاً واستدامة».

الائتمان الخاص

وفي سياق آخر، قال محيي الدين إنه لا توجد مخاطر نظامية في قطاع الائتمان الخاص، داعياً إلى تشديد الرقابة على القطاع المالي غير المصرفي.

واضاف أن جميع السيناريوهات التي يطرحها صندوق النقد الدولي أو غيره من المؤسسات الدولية تظل مرهونة بشكل أساسي بموعد انتهاء الحرب بشكل نهائي، مشيراً إلى أن حالة عدم اليقين الراهنة تفرض على صناع السياسات الاقتصادية والمتابعين في آن واحد أن يأملوا في الأفضل، وأن يتحسبوا للأسوأ.

وأضاف محيي الدين أن السيناريو الوسيط الذي يتداوله صندوق النقد الدولي حالياً يفترض تباطؤاً في النمو مع ارتفاع نسبي في معدلات التضخم، لافتاً إلى أن الصندوق يتحدث عن معدل نمو اقتصادي عالمي في حدود 3.1 %، مقابل معدل تضخم يقترب من 4.5 %، وهو ما يُعد وفق التقديرات الحالية «السيناريو الأفضل».

الركود التضخمي

وقال: «برأيي، علينا أن نتحسب عالمياً لإمكانية أن تكون الأوضاع أسوأ من ذلك، مؤكداً أن على كل دولة أن تنظر إلى كيفية حماية اقتصادها من شبح الركود التضخمي، أي تراجع النمو بالتوازي مع ارتفاع معدلات التضخم، وهو السيناريو الأكثر إرباكاً لصناع القرار».

وأوضح أن اتساع احتمالات التباطؤ أو الركود، مع استمرار الضغوط التضخمية، يفتح المجال أمام دور أكبر لكل من الحكومات والبنوك المركزية في تبني إجراءات استباقية، هدفها الحد من تراجع النمو ومنع التضخم من التحول إلى عامل ضاغط بشدة على مستويات الأسعار ومعيشة المواطنين.

وشدد محيي الدين على أن جوهر التفكير في السيناريوهات البديلة، في ظل واقع عالمي يتسم بقدر كبير من اللايقين وندرة البيانات الموثوقة في بعض الملفات، يقوم على تقريب السيناريوهات العملية لما هو أسوأ، مع الاحتفاظ بالأمل دائماً فيما هو أفضل.

الاقتصاد العالمي

وحول أبرز المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي اليوم، أوضح محيي الدين أن الوضع الاقتصادي لم يكن في أفضل حالاته حتى قبل اندلاع الحرب، بعد سنوات من عدم التعافي الكامل، وتراجع معدلات التشغيل، ووجود تهديدات متزايدة لأسواق العمل، سواء لأسباب تكنولوجية أو حمائية أو بفعل التوترات الجيوسياسية.

وقال إن المخاطر الحالية يمكن اختصارها في 3 محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها أمن الطاقة، موضحاً أن العالم لايزال شديد الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية من نفط وفحم وغاز طبيعي، رغم ما تحقق من تقدم في تنويع مصادر الطاقة.

وأضاف أن هناك اهتماماً متزايداً اليوم بمفهوم السيادة على الطاقة، حتى لدى الدول المصدرة للنفط والغاز، مشيراً إلى أن دولاً عربية خليجية بدأت منذ سنوات الاستثمار في الطاقة الجديدة والمتجددة، لكن مسار التحول لايزال يحتاج إلى تسريع. أما المحور الثاني، فيتعلق بقدرة الاقتصادات على تأمين احتياجاتها من خلال التعاون الإقليمي الفعّال.

وأشار إلى أن أوروبا «تعيد اكتشاف نفسها» في هذا السياق، لافتاً إلى حديث مهم لرئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد حول هذا التوجه، ولفت إلى أن مجموعة دول «آسيان» تقدم نموذجاً بارزاً للتعاون في مجالات التجارة والتكنولوجيا، مؤكداً أن الدول العربية والأفريقية بحاجة إلى الاستفادة من هذه التجارب من خلال تعميق التعاون الإقليمي، رغم ما تشهده المنطقة من توترات.

الاقتصاد الحقيقي

وأضاف أن المحور الثالث يتمثل في ضرورة عدم الاكتفاء بالمؤشرات المالية، رغم أهميتها وحضورها الطاغي على شاشات المتابعة، مثل أسعار الفائدة وأسعار الصرف، داعياً إلى الالتفات بصورة أكبر إلى الاقتصاد الحقيقي. وتساءل في هذا السياق: «ماذا عن الناتج الصناعي والناتج الزراعي؟ ماذا عن تأمين مصادر الغذاء؟ وماذا عن سوق العمل؟».

وأكد محيي الدين أن التركيز يجب أن يكون مزدوجاً، بحيث يشمل المؤشرات المالية من جهة، ومؤشرات التنمية من جهة أخرى، قائلاً: «نحن بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي نتحدث كثيراً عن الاستقرار المالي، لكن يظل السؤال الأهم: ماذا فعلنا في مجالات مكافحة الفقر، وتحسين توزيع الدخل، وتحقيق التنمية الشاملة؟».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي