تُعتبر الطاقة النووية واحدة من أكثر الملفات إثارةً للجدل؛ فهي تجمع بين القدرة الهائلة على توليد الطاقة، والخطر الكامن الذي قد يتسرّب في لحظة إهمال أو في صراع عسكري، وبينما يتجه بعض الدول إلى التوسع في استخدام المفاعلات النووية، تتزايد المخاوف من حوادث التسرب الإشعاعي، وما قد تخلّفه من آثار تمتد لعقود، بل لقرون.
فعندما يحدث خلل في مفاعل نووي أو يحدث استهداف للمفاعل فإن الخطر لا يكون في الانفجار فقط، بل في تسرب المواد المشعة إلى الهواء والماء والتربة؛ هذه المواد، مثل السيزيوم والسترونتيوم، قادرة على الانتشار لمسافات شاسعة بفعل الرياح، ما يجعل التأثير يتجاوز حدود الدولة نفسها.
لقد شهد العالم نماذج مأسوية من قبل، مثل كارثة (تشيرنوبيل ) وكارثة (فوكوشيما) حيث لم تتوقف الأضرار عند لحظة الحادث، بل استمرت في شكل تلوث بيئي، وارتفاع معدلات السرطان، وتهجير للسكان، وخلق «مناطق خالية» غير صالحة للحياة.
إنّ المخاطر الإشعاعية اليوم تأتي عن طريقين، أولهما عن التسرب الإشعاعي نتيجة إهمال أو نتيجة تفجير خارجي، ثانيهما استخدام المواد التي تحتوي على إشعاع في الأسلحة أثناء الحروب، وفي كلتا الحالتين تكمن خطورة الإشعاع في أنه غير مرئي، لكنه قادر على التغلغل داخل جسم الإنسان، وعند التعرض له بجرعات كافية، فإنه يهاجم الخلايا، ويُحدث خللاً في الحمض النووي (DNA)، ما قد يؤدي إلى:
• الإصابة بالسرطان
• تشوهات خلقية
• ضعف الجهاز المناعي
• أمراض مزمنة تظهر بعد سنوات طويلة
بالنسبة إلى النوع الأول فعند وقوع انفجار أو انهيار في نظام التبريد داخل المفاعل:
• ترتفع درجة الحرارة بشكل هائل
• تنصهر قضبان الوقود النووي
• تنطلق مواد مشعة إلى الغلاف الجوي
هذه المواد تشمل نظائر خطرة مثل:
• اليود-131
• السيزيوم-137
• السترونتيوم-90
أما بالنسبة لليورانيوم المنضب، فهو النوع الآخر من التسرب الإشعاعيّ، فإذا كان التسرب النووي خطراً مرتبطاً بالمفاعلات، فإن اليورانيوم المنضب يمثل وجهاً آخر للخطر، لكنه مرتبط بالحروب.
إن هذه المادة، التي تُستخدم في الذخائر الخارقة للدروع، تتميز بكثافتها العالية، لكنها تتحول عند انفجارها إلى غبار دقيق قد يُستنشق أو يترسب في البيئة، فاليورانيوم المنضّب (Depleted Uranium) يُصدر أنواع الإشعاعات الأساسية نفسها الموجودة في اليورانيوم عموماً، لكن بمستويات أقل نسبياً، وهذه الأنواع هي:
1) إشعاع ألفا (Alpha)
• النوع الرئيسي والأقوى في اليورانيوم المنضب
• جسيمات ثقيلة لا تخترق الجلد
• الخطورة الحقيقية: إذا دخلت إلى الجسم (استنشاق الغبار أو الابتلاع)
2) إشعاع بيتا (Beta)
• يأتي غالباً من نواتج التحلل الإشعاعي
• اختراقه متوسط (يمكن أن يؤثر على الجلد)
• أقل شيوعاً من ألفا لكنه موجود
3) إشعاع غاما (Gamma)
• موجود ولكن بنسبة ضعيفة نسبياً
إذاً، فاليورانيوم المنضب يصدر إشعاعاً أقل من اليورانيوم الطبيعي، لكنه يظل مادة سامة إشعاعياً وكيميائياً، ويكمن خطره في:
• دخوله إلى الرئتين عبر الغبار
• انتقاله من التربة إلى النباتات ثم إلى الإنسان عبر الغذاء
• بقائه في البيئة لفترات طويلة جداً.
في الكويت وبقية دول الخليج لدينا أنظمة رصد وأتمنى أن تكون كافية، وأتمنى أيضاً الشفافية في مستوى رصدنا لأي مخاطر إشعاعية مستقبلية، كما أتمنى الاستمرار بالدراسات على البيئة لدينا في ما يتعلق باليورانيوم المنضب.
في عالمٍ باتت فيه المخاطر عابرة للحدود، لم يعد من المقبول التعامل مع الإشعاع كملف ثانوي أو مؤجل، واليوم مع عودة الحروب في الشرق الأوسط لا سيما منطقة الخليج القريبة من الصراع سواء جاء الخطر من مفاعل نووي أو من ساحة حرب، فإن الإشعاع يظل أحد أخطر التهديدات الصامتة التي قد تواجه الإنسان، وبينما يختلف العلماء في تقدير حجم المخاطر، يبقى الاتفاق قائماً على نقطة واحدة: الوقاية، والشفافية، والبحث العلمي المستمر هي خط الدفاع الأول.
وفي النهاية، قد لا نرى الإشعاع... لكن آثاره تُكتب في الجسد، وفي الأرض، وفي ذاكرة الأجيال.