المفاوضات الأميركية - الإيرانية: إدارة الصراع على حافة الانفجار الإقليمي
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، لا يمكن فهم التفاعلات بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها أزمة عابرة، بل باعتبارها نموذجاً متقدماً لما تصفه الأدبيات الإستراتيجية بـ«إدارة الصراع طويل الأمد».
فالتعثر الأخير في مسار المفاوضات لا يعكس نهاية المسار الدبلوماسي، بقدر ما يكشف عن حدود هذا المسار في بيئة دولية تتقاطع فيها المصالح الحيوية مع اعتبارات الردع، وتتداخل فيها أدوات السياسة مع حسابات القوة.
- أولاً: المفاوضات كأداة لإدارة الصراع لا حله
لم تكن المفاوضات بين الطرفين مصممة لتحقيق تسوية نهائية بقدر ما كانت وسيلة لضبط إيقاع التوتر. فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة مكلفة، مع الحفاظ على شبكة تحالفاتها الإقليمية، لا سيما مع إسرائيل ودول الخليج، ومن جهة أخرى، تستخدم إيران التفاوض كأداة لكسب الوقت، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وإعادة التموضع ضمن توازنات القوة.
بهذا المعنى، تصبح المفاوضات امتداداً للصراع بوسائل دبلوماسية، وليست بديلاً عنه.
- ثانياً: فجوة الخلافات البنيوية
يعود تعثر المفاوضات إلى فجوة هيكلية عميقة بين الطرفين، لا تعكس مجرد اختلاف في التفاصيل، بل تكشف عن تضارب جذري في الرؤى الإستراتيجية، وتتجلى في أربع قضايا مترابطة:
• الملف النووي: تصر الولايات المتحدة على فرض قيود صارمة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما ترى إيران في ذلك انتقاصاً من سيادتها، وتربط أي التزام برفع شامل للعقوبات.
• الدور الإقليمي: لا ينفصل الملف النووي عن شبكة النفوذ الإيراني في الإقليم، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لتوازن القوى، في حين تنظر إليه طهران كعمق إستراتيجي لأمنها القومي.
• العقوبات والضمانات: تطالب إيران بضمانات ملزمة تحول دون تكرار انسحاب الولايات المتحدة من أي اتفاق مستقبلي، وهو مطلب يصطدم بطبيعة النظام السياسي الأميركي وتعقيداته.
• مضيق هرمز: يمثل مضيق هرمز البعد الأكثر حساسية في معادلة الصراع، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حرية الملاحة فيه باعتباره شرياناً اقتصادياً عالمياً، بينما تعتبره إيران ورقة ضغط سيادية يمكن استخدامها في حال التصعيد.
ويجسد هذا الملف تحديداً نقطة التقاء بين الأمن العسكري والاقتصاد العالمي، ما يجعله عنصراً حاسماً في حسابات الحرب والسلم.
- ثالثاً: ما بعد التعثر - ديناميات التصعيد المحسوب
في أعقاب تعثر المفاوضات، يرتفع منسوب الخطاب السياسي، غير أن هذا التصعيد يبقى محكوماً باعتبارات الردع المتبادل. فكل من الولايات المتحدة وإيران يدرك أن الحرب الشاملة ستؤدي إلى كلفة إستراتيجية واقتصادية هائلة.
لذلك، يُرجح أن يأخذ التصعيد شكلاً محدوداً، يتضمن ضربات دقيقة، أو عمليات غير مباشرة، أو ضغوطاً سيبرانية، بما يُبقي الصراع ضمن نطاق يمكن التحكم به دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
- رابعاً: تقدير احتمالات المسارات المستقبلية
استناداً إلى أنماط السلوك الإستراتيجي والتجارب السابقة، يمكن تقديم تقدير تقريبي للمسارات المحتملة (كما هو مبين بالجدول رقم 1). وتعكس التقديرات الواضحة في الجدول طبيعة الصراع المركب، حيث يتعايش احتمال التصعيد مع ضرورة العودة إلى التفاوض.
- خامساً: الخسائر كمرآة لطبيعة الصراع
تكشف الخسائر البشرية والعسكرية عن اتساع رقعة الصراع وتعدد أطرافه، حيث لم يعد محصوراً بين دولتين، بل امتد ليشمل الإقليم بأكمله (كما هو مبين بالجدول رقم 2)
وتعكس الأرقام المذكورة طبيعة الحرب غير المتكافئة، حيث تتوزع الكلفة بشكل غير متوازن بين الأطراف.
- سادساً: الخليج العربي - من الهامش إلى مركز التأثير
لم تعد دول الخليج، مثل الكويت والسعودية والإمارات، في موقع المتفرج، بل أصبحت جزءاً من معادلة الصراع بحكم موقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية. وفي الوقت ذاته أصبحت أيضاً هدفاً محتملاً لأي رد إيراني، خصوصاً في ظل ارتباط أمنها بأمن الطاقة العالمي.
- سابعاً: الكويت - معادلة الحياد والجاهزية
في قلب هذه المعادلة، تبرز الكويت كدولة تواجه تحدياً إستراتيجياً مزدوجاً: الحفاظ على حيادها السياسي، وضمان أمنها الوطني. ويتطلب ذلك:
• رفع مستوى الجاهزية الدفاعية
• حماية البنية التحتية الحيوية
• تعزيز الأمن السيبراني
• تفعيل الدبلوماسية الوقائية
وبذلك تسعى الكويت إلى تجنب الانخراط المباشر، مع الاستعداد لأسوأ السيناريوهات.
- ثامناً: السيناريوهات الإستراتيجية للمواجهة
في حال التصعيد، من المرجح أن تتبع الولايات المتحدة وإسرائيل إستراتيجية الضربات الدقيقة ضد القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، في حين ستعتمد إيران على أسلوب الحرب غير المتكافئة، عبر استهداف الأهداف الأميركية وإسرائيل ودول الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
هذا التباين في العقيدة القتالية يزيد من احتمالات التصعيد غير المتناظر، ويصعّب احتواءه.
ختاماً، تكشف الأزمة الراهنة أن الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ومن جهة أخرى إيران قد تجاوز كونه نزاعاً سياسياً تقليدياً، ليصبح حالة مستدامة من التوتر المنظم، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والإستراتيجية.
ورغم تعثر المفاوضات، فإن منطق التوازنات الدولية يفرض مساراً دائرياً يتكرر فيه التصعيد يعقبه احتواء، ثم عودة إلى التفاوض. غير أن إدخال عناصر حساسة مثل مضيق هرمز في معادلة الصراع يجعل أي خطأ في الحسابات ذا كلفة عالمية.
وعليه، فإن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث لا يُقاس الخطر بوقوع الحرب فقط، بل بمدى القدرة على التحكم في مسارها إذا اندلعت.
* رئيس مركز أفق المستقبل للاستشارات