يُمعن في طمس الهوية بين قيود العبادة ونزع الرموز الوطنية
الاحتلال الإسرائيلي يُحيل القدس في «سبت النور» إلى ثكنة عسكرية
في مشهد يعيد إنتاج سياسة التضييق الممنهجة على حرية العبادة في المدينة المقدسة، فرضت شرطة الاحتلال الإسرائيلي، يوم السبت، إجراءات عسكرية مشددة حول كنيسة القيامة، بالتزامن مع احتفال الطوائف المسيحية الشرقية بـ«سبت النور»، ذلك اليوم الذي يسبق عيد القيامة المجيد، والذي تُقام فيه طقوس «النار المقدسة» التي تشهدها القيامة منذ قرون.
ولم تكتف قوات الاحتلال بإعاقة وصول المصلين، بل تجاوزت ذلك إلى نزع العلم الفلسطيني من أزياء فرق الكشافة المشاركة في المراسم، في اعتداء سافر على رمزية الهوية والوجود في المدينة المقدسة.
القدس ثكنة عسكرية
حوّلت قوات الاحتلال مدينة القدس المحتلة، خصوصاً محيط باب العامود وأحياء البلدة القديمة، إلى ثكنة عسكرية، إذ نصبت حواجزها على كافة الطرق المؤدية إلى كنيسة القيامة، وأعاقت وصول المصلين لإحياء هذا السرّ الديني العظيم، وقامت بالتوقيف والتدقيق في هويات الشبان الفلسطينيين، ومنعت العديد منهم من بلوغ الكنيسة.
تأتي هذه الإجراءات المشدّدة في وقت كان من المفترض أن تشهد فيه القدس انفراجاً روحانياً، بعد إعلان شرطة الاحتلال رفع الحظر عن زيارة المواقع المقدسة اعتباراً من التاسع من أبريل، غير أن واقع الحال كشف أن «الرفع» كان مجرد مناورة إعلامية، إذ بقي الحال على ما هو عليه من تعقيدٍ وتضييق، بل زادت القيود أمام أبناء القدس المقدسيين، ليتبين أن سياسة الفصل العنصري لا تعترف بالأعياد ولا تفرّق بين مسلم ومسيحي في انتهاك حرمة دور العبادة.
إغلاق تاريخي واستهداف للرموز الدينية
لم تكن إجراءات «سبت النور» وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لسياسة إغلاق تعسفية استمرت لأربعين يوماً، حيث أغلقت سلطات الاحتلال كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك منذ 28 فبراير الماضي، بحجّة منع التجمعات إبان الحرب على إيران، ليكون هذا الإغلاق الأطول من نوعه في التاريخ الحديث للمدينة.
وكانت البطريركية اللاتينية قد كشفت عن واقعة خطيرة سابقة، حين منعت الشرطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، والأب فرانشيسكو إيلبو، حارس الأراضي المقدسة، من دخول كنيسة القيامة في أحد الشعانين، في خرق فاضح للوضع التاريخي القائم منذ العهد العثماني، ولاحقاً بموجب اتفاقيات دولية، وهو ما دفع البطريركية إلى وصف الحادث بأنه «انتهاك غير مسبوق» لحرية العبادة.
وعندها فقط، وبعد أن أثارت هذه الإهانة لقيادات الكنائس موجة غضب عالمية، تدخل رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ لإعادة فتح الكنيسة بشكل جزئي، وسمح بدخول البطاركة بموجب «حل موقت»، لكن هذا الحل لم يشمل عموم المصلين الفلسطينيين الذين ظلوا محرومين من الوصول إلى مزاراتهم.
طمس للهوية
وفي سابقة تعكس عمق الممارسة الاستعمارية، لم يكتف الاحتلال بإعاقة وصول المصلين إلى الكنيسة، بل تعدى إلى نزع العلم الفلسطيني المعلق على زي فرق الكشافة، في مشهد رمزي بليغ، يعكس الهجمة الشرسة على كل ما يرمز إلى الهوية الوطنية والوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة.
ففرق الكشافة، التي كانت تسير في أحياء القدس القديمة ابتهاجاً بـ«سبت النور»، تفاجأت باعتراض قوات الاحتلال لها، وإجبارها على نزع العلم الذي يزين أكتافها، وكأن الاحتلال يريد أن يقول للمسيحيين الفلسطينيين «أنتم هنا ضيوف بلا هوية»، متناسياً أن الكنائس الشرقية هي جزء من النسيج الحضاري والوطني الفلسطيني منذ ألفي عام.
هجمة شاملة على هوية القدس
في السياق، قال القيادي الفلسطيني ماجد أبوقطيش إن الاحتلال يواصل تحويل القدس إلى ثكنة عسكرية، ويفرض قيوداً مشددة على الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، في «استهداف واضح لحرمة وحرية العبادة، وتعدٍ خطير على الوجود الديني والتاريخي في المدينة المقدسة».
وأوضح أن هذه الإجراءات تعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى التحكم بالحياة الدينية وفرض واقع قسري يحرم المقدسيين من ممارسة شعائرهم، مؤكداً أن الاعتداء على حق المسيحيين في الوصول إلى كنائسهم خلال أعيادهم «لا ينفصل عن استهداف المسلمين»، بل هو «حلقة واحدة في هجمة شاملة تستهدف هوية المدينة وكافة مكوناتها».
وحض أبوقطيش، أبناء الشعب الفلسطيني بمختلف مكوناته إلى التوازي في الرباط والدفاع عن الحق في العبادة، وتعزيز الحضور في الأقصى والقيامة، والتصدي لعربدة المستوطنين وإجرام الاحتلال، مؤكداً أن القدس لن تكون كاملة إلا بحرية الوصول لجميع مقدساتها، مسجدها وكنائسها.
التبرير الأمني «زائف»
من جانبها، حاولت المصادر الإسرائيلية تبرير هذه الإجراءات بـ«التهديدات الأمنية» و«عدم توافر ملاجئ كافية» في البلدة القديمة، زاعمة أن التقليص في أعداد المصلين يأتي لحمايتهم من القصف الإيراني المحتمل.
لكن هذا التبرير ينهار بعد ان توقفت الحرب وانتهت الإجراءات الاستثنائية وأمام حقيقة أن الإجراءات طالت بشكل خاص الفلسطينيين الحاملين لهويات مقدسية، فيما سمح لوفود دينية محدودة جداً بالدخول، كما أن فكرة «حماية المواطنين» لا تفسر أبداً قيام جيش الاحتلال بنزع علم دولة من على قميص كشاف، فهذا الفعل ليس له علاقة بالأمن، بل هو عقاب جماعي وطمس متعمد للهوية.
إدانات
وتوالت الإدانات لهذه الممارسات التي تعتبر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، التي تكفل حرية العبادة في الأراضي المحتلة.
وطالبت المنظمات الحقوقية والدينية المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف هذه الانتهاكات، وفتح كنيسة القيامة والمسجد الأقصى أمام جميع المصلين، من دون تمييز أو قيود، خصوصاً في هذه الأيام المباركة.
وفي الوقت الذي كان يفترض أن يكون فيه سبت النور رمزاً للفرح والخلاص، حوّلته آلة الاحتلال إلى سبت مظلم بالحواجز والقيود، وأثبتت فيه مرة أخرى أنها لا تؤمن بقدسية الأديان بقدر ما تؤمن بفرض السيطرة بالقوة.
وبينما تخرج شعلة النار المقدسة من كنيسة القيامة، يبقى شعب فلسطين وأبناؤه المسيحيون والمسلمون ينتظرون شعلة الحرية التي تنير دروب القدس وتحررها من ربقة الاحتلال الغاشم.