دراسة حديثة تستشرف مرحلة ما بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية
دول الخليج على عتبة تحوّل إستراتيجي لبناء الأمن الذاتي والسيادة الاقتصادية
-تآكل الثقة الإستراتيجية أكبر خسائر دول الخليج بعد انكشاف هشاشة أمن ممراتها البحرية رغم توافر الحلفاء
-ارتفاع الكلفة الاقتصادية وتأمين الملاحة البحرية والضغوط الدولية... عوامل تعجّل بتوقف الحرب
-الإنفاق الدفاعي في السعودية وقطر والإمارات زاد ما بين 15 و20 في المئة مقارنة بـ2025
-بروز ملامح جديدة للتحالفات الخليجية في التقارب مع الصين وروسيا
-نواة لتحالف دفاعي خليجي عربي إسلامي يتشكّل... بقيادة السعودية
خلصت دراسة حديثة لمركز أفق المستقبل للدراسات، إلى أن دول الخليج تقف على أعتاب تحوّل إستراتيجي عميق، في ظل تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران منذ مطلع عام 2026، وما أفرزته من ضغوط غير مسبوقة على منظومات الطاقة والاقتصاد والأمن الإقليمي، لاسيما بعد إغلاق طهران الجزئي لمضيق هرمز وشنّ هجمات سيبرانية واستهداف منشآت نفطية.
وأوضحت الدراسة، التي قدّمها رئيس المركز محمد سالم الراشد، أن استمرار الحرب لفترة طويلة يبقى مستبعداً، استناداً إلى ثلاثة عوامل رئيسية، في مقدمتها الكلفة الاقتصادية المرتفعة، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 150 دولاراً للبرميل، في حين ارتفعت كلفة التأمين على الملاحة البحرية بما يصل إلى عشرة أضعاف، الأمر الذي ولّد ضغوطاً داخلية حتى على أطراف الصراع.
وذكرت أن العامل الثاني يتمثل في الضغوط الدولية المتصاعدة من قوى كبرى تعتمد على نفط الخليج، من بينها الصين والهند، واللتان تربطان استمرار الحرب بتهديد مباشر لأمنهما الطاقي، فيما أشارت إلى أن العامل الثالث يرتبط بحالة الإرهاق الإستراتيجي، مع تراجع متوسط العمليات الجوية الأميركية بنسبة 40 في المئة بحلول نهاية مارس، بما يعكس توجهاً نحو خفض التصعيد.
ورجّحت الدراسة، بناءً على هذه المعطيات، اتجاهاً نحو تجميد ميداني موقت، يعقبه مسار تفاوضي غير مباشر برعاية خليجية وأوروبية، دون توقع التوصل إلى تسوية شاملة في المدى القريب.
الخسائر
وفي ما يتعلق بالخسائر، أكدت الدراسة أن الهجوم المتبادل وإغلاق الممرات البحرية تركا خسائر متعددة المستويات، حيث تكبدت دول الخليج أضراراً اقتصادية مباشرة، تمثّلت في فقدان أكثر من 25 في المئة من صادراتها النفطية خلال الربع الأول من 2026، إلى جانب تراجع حركة الشحن في موانئ السعودية والإمارات إلى أقل من نصف معدلاتها المعتادة.
وأشارت إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي في دول مثل السعودية وقطر والإمارات، بنسبة تراوحت بين 15 و20 في المئة مقارنة بعام 2025، وفق بيانات معهد استوكهولم لأبحاث السلام، مع تركيز متزايد على أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، فيما سُجلت تداعيات بيئية محدودة شملت تسربات نفطية وإغلاق مناطق صيد، خصوصاً في سلطنة عمان، نتيجة مخاوف التلوث البحري.
وبيّنت أن الخسارة الأعمق تمثلت في تآكل الثقة الإستراتيجية، بعد انكشاف هشاشة أمن الممرات البحرية لدول الخليج رغم الوجود العسكري الدولي.
المحاور الجديدة
وفي سياق التحولات الجيوسياسية، لفتت الدراسة إلى بروز ملامح إعادة تشكيل للتحالفات، لما بعد التحالف الأميركي التقليدي، حيث أدركت دول الخليج أن المظلة الغربية لم تمنع تدهور الموقف، الأمر الذي فتح الباب أمام خيارات أخرى، تمثّلت في تقارب خليجي مع الصين وروسيا، إلى جانب تحركات دبلوماسية قادتها بكين لطرح وساطات مشتركة مع مسقط وطهران لتأمين خطوط إمداد الطاقة نحو آسيا.
كما أشارت إلى بدء تشكّل نواة تحالف دفاعي خليجي – عربي - إسلامي، يعرف بـ«مجلس الأمن الإقليمي» تقوده السعودية بمشاركة دول مثل باكستان وتركيا، وبدعم من الأردن ومصر، في موازاة تنامي دور تركيا كشريك أمني واقتصادي فاعل في الممرات البحرية والاتصالات الإقليمية.
وأكدت الدراسة أن هذه التحولات تعكس انتقالاً نحو مقاربة جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والأمن الجماعي، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية، المتمثلة في الهوية الطائفية أو الخطاب القومي.
وفي ما يتعلق بعقد التسوية، حدّدت الدراسة أربعة ملفات رئيسية تعوق التوصل إلى اتفاق، تشمل الملف النووي الإيراني، حيث تصر طهران على حقها في تخصيب اليورانيوم تحت إشراف وطني لا دولي، والتموضع الأميركي - الإسرائيلي، في ظل رفض تل أبيب أي تسوية لا تتضمن «تحييداً كاملاً» للبنية التحتية العسكرية الإيرانية، إضافة إلى مخاوف دول الخليج من أي فراغ أمني محتمل قد ينشأ في حال انسحبت الولايات المتحدة جزئياً من المنطقة، ناهيك عن ملف الطاقة والممرات البحرية، وفي مقدمها مضيق هرمز، حيث ترى طهران أن وجودها العسكري فيه جزء من سيادتها، بينما تعتبره واشنطن تهديداً للنظام التجاري العالمي.
عقدة مضيق هرمز
وأشارت إلى أن «عقدة هرمز» تحوّلت إلى ورقة ضغط جيو - اقتصادية تعقّد مسارات التفاوض، في مقابل طرح مبادرات تقودها سلطنة عمان والاتحاد الأوروبي تقوم على ضمان أمن الإمدادات مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات على إيران.
وفي استشرافها لمرحلة ما بعد الحرب، رجّحت الدراسة أن تكون دول الخليج أكثر حذراً وأقلّ اعتماداً على المظلات الخارجية، والاتجاه إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية نحو الشرق، مع تعزيز العلاقات مع الصين والهند واليابان، لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية.
كما توقعت تعزيز مسار «الأمن الذاتي» عبر مشاريع دفاعية مشتركة للدفاع الجوي والفضائي، تمولها السعودية والإمارات وتشمل البحرين والكويت، إلى جانب تسريع التحول الاقتصادي من خلال الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة النظيفة، انسجاماً مع الرؤى الوطنية، بما في ذلك رؤية السعودية 2030، ورؤية الإمارات 2050، ورؤية الكويت 2035.
الخلاصة
وخلصت الدراسة إلى ما سمّته «ولادة الجيل الثاني من الدولة الخليجية الحديثة»، ومفاده أن الحرب، رغم استمرارها، أسهمت في إعادة تشكيل وعي دول الخليج بطبيعة موقعها في النظام الدولي، في إدراك هذه الدول لمعادلة الأمن والسيادة، ودفعَت نحو بناء نموذج جديد يقوم على أن أمنها جزء من اقتصادها، وسيادتها تبدأ من قدرتها على تأمين طرق تجارتها ومضايقها بنفسها، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتجه إلى مزيد من التعقيد وإعادة التوازن.
وشددت على أنه «إذا كان عام 2026 هو عام النار، فإن ما بعده سيكون عام إعادة التوازن - لا بين الدول فقط، بل بين الواقع والممكن».