المستهلك أكبر المتضررين وإصلاح ما أفسد بالطاقة وحدها يحتاج أكثر من عام
من الرابحون والخاسرون بالحرب الدائرة؟
- سعر النفط يحقق مستويات تاريخية... والمكاسب للمنتجين خارج الخليج
- الدولار يرفع شعار «أنا الملك» في سوق العملات... واليوان ينافسه عبر بوابة «هرمز»
- تأمين الحرب يقفز 1000 %... وقطاع الشحن والتوريد يبحر وسط المخاطر
- الذكاء الاصطناعي يدخل المعركة رسمياً والأسهم الدفاعية تنتعش
- العملات المشفرة تستفيد من الفوضى ... وصفة «الملاذ الآمن» بعيدة عنها
- الأسواق الناشئة تتلقى ضربة ثلاثية... عملات ضعيفة وتضخم متزايد ورؤوس أموال هاربة
قبل 30 يوماً من الآن كان العالم يستعد لخفض الفائدة وزيادة استثمارات الذكاء الاصطناعي مع وجود فائض كبير محتمل من النفط والغاز، لكن بمجرد دخول الحرب من الباب خرج كل ذلك من النافذة.
فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الأخرى خلفت تأثيرات اقتصادية هائلة في أسواق الطاقة والمعادن النفيسة والأصول الرقمية والأسمدة والأغذية والنقل والشحن والتأمين وتشعبت آثارها إلى قطاعات الأسهم والبنوك والأسلحة وغيرها لكن بدرجات متفاوتة.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز الحيوي لصادرات الطاقة واستهداف البنية التحتية لمنشآت النفط والغاز في الخليج بشكل متكرر، تقدّر مؤسسة «ماكنزي» أن إصلاح ما أفسدته الحرب في قطاع الطاقة وحده سيحتاج إلى أكثر من عام... هذا لو انتهت الحرب غداً.
من هذا المنطلق، رصد تقرير لـ «بلومبرغ» أبرز الفائزين والخاسرين على المستوى الاقتصادي منذ بداية الحرب كالآتي:
الرابحون
1 - منتجو النفط والغاز خارج الخليج
يعد منتجو النفط والغاز خارج دول الخليج الرابح الأكثر وضوحاً حتى الآن فبحسب «رويترز»، تُعتبر الشركات التي تبيع النفط والغاز خارج المنطقة عند أسعار أعلى من دون أن تتحمل تكاليف الإغلاقات، أو تعطل الشحن، أو إصلاح الأصول المتضررة في الخليج، الأكثر استفادة من الشهر الأول للحرب، بعدما تعرض منافسوها في المنطقة لضربات وسط الصراع.
ووصفت منصة «أويل برايس» الربع الأول المنتظر لشركات النفط الكبرى بأنه قد يكون استثنائياً من حيث الأرباح، لا سيما شركات النفط الأميركية. ورفع 6 محللين في بنك «جيه بي مورغان» متوسط تقديراتهم لربحية سهم «شيفرون» في الربع الأول بنحو 40 % خلال شهر، بينما رفع ثلاثة محللين متوسط تقديراتهم لأرباح «شل» الصافية بنحو 15 %.
2 - الدولار... واليوان
إذا كانت هناك عملة ربحت الحرب بوضوح حتى الآن من الحرب فهي الدولار، إذ ارتفع مؤشر بلومبرغ الفوري للعملة الأميركية إلى 100.36 نقطة في 15 مارس الماضي، مسجلاً أعلى مستوى له في 10 أشهر، كما يقترب من تسجيل أفضل أداء شهري منذ يوليو 2025 وفق بلومبرغ، مدفوعاً بتدفقات الملاذ الآمن وإعادة تسعير توقعات الفائدة الأميركية، واحتياج المستثمرين للسيولة بشكل خاص.
أما اليوان، فكانت قصته مختلفة، فرغم أن الحرب أوقفت موجة صعوده الممتدة منذ 11 شهراً، ففي 25 مارس صعد الدولار إلى 6.922 يوان في السوق الخارجية .
لكن استفادة العملة الصينية جاءت من توسع دوره النسبي في إدارة المخاطر والتجارة العابرة للحدود لا من مكسب سوقي مماثل لمنافسه الأخضر، خاصة بعدما أعلنت طهران عن تحصيل رسوم لعبور مضيق هرمز باستخدام اليوان الصيني.
3 - شركات الشحن والتأمين
لم تربح شركات الشحن والتأمين العالمية بالتساوي، لكن تسعير المخاطر فيه قفز بصورة حادة. فأقساط تأمين مخاطر الحرب على هيكل السفن ارتفعت من نحو 0.25 % من قيمة السفينة إلى ما يصل 3 % للرحلة الواحدة، أي زيادة تتجاوز1000 % في بعض الحالات.
أما شركات الملاحة نفسها ورغم قفزة أجور الناقلات 712 % في الفترة منذ 6 يناير حتى 16 مارس الجاري لم تكن كلها رابحة؛ إذ أفادت شركة هاباغ لويد العالمية للشحن إن الحرب تضيف عليها تكاليف أسبوعية تتراوح بين 40 و50 مليون دولار من الوقود والتأمين والتخزين، كما أكدت شركة ميرسك أنها اضطرت لفرض رسوم مخاطر حرب تصل 1500 دولار لكل حاوية.
4 - التسليح والذكاء الاصطناعي العسكري
ظهر الاعتماد بشكل واضح على أنظمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي العسكري في هذه الحرب، وهو ما دفع الشركات المرتبطة باستخدام تقنيات ذات استخدامات عسكرية لقفزات كبيرة منذ بداية الحرب، على غرار شركة لوكهيد مارتن، أكبر متعاقد دفاعي في العالم من حيث الإيرادات، التي صعدت أسهمها لمستوى قياسي جديد في أول أيام الحرب، إذ أغلق سهمها عند 676.70 دولار بعد ارتفاع تجاوز 4 %. وتشكل مقاتلاتها من طراز «إف-35» والذخائر الذكية وأنظمة الرادار التي تنتجها العمود الفقري للحملة الجوية الجارية فوق إيران. وامتد الزخم إلى مجمل قطاع الدفاع، فقفزت أسهم «نورثروب غرومان» منذ بداية الشهر الجاري بنسبة 6 % مدفوعة بتقنيات القاذفات الشبحية والدفاع الصاروخي.
5 - الأصول الرقمية... ربح مختلط
أما الأصول الرقمية فكان الربح وظيفياً وهيكلياً أكثر منه ربحاً سعرياً خالصاً حيث ارتفع سعر عملة بتكوين منذ 28 فبراير إلى 73949 دولاراً بحلول 17 مارس، لكنها تقهقرت إلى نطاق 65 ألفاً بعد انتهاء عقود خيارات بقيمة 14 ملياراً، ولا تزال العملة المشفرة الكبرى منخفضة بنحو 18 % منذ بداية السنة، وشهدت أخواتها من العملات المشفرة الأصغر أداءً مشابهاً أيضاً.
لكن ورغم ذلك الهبوط، يمكن القول إن الحرب خدمت العملات المشفرة خدمة كبيرة، بعدما أظهرتها كقناة أموال سريعة في البيئات المضطربة. وتم إجراء معاملات بقيمة 10.3 مليون دولار من منصات العملات المشفرة الإيرانية في أول 3 أيام فقط من الحرب بعد الضربات الأولى، فيما قُدّر حجم معاملات الكريبتو في إيران خلال 2025 بين 8 و11 مليار دولار.
الخاسرون
1 - مصدرو النفط والغاز داخل الخليج
تعرض منشآت نفط وغاز عدة في المنطقة لهجمات، وتوقف شبه كامل لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر هرمز، تسبب فيما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر تعطل لإمدادات النفط على الإطلاق.
وقدّرت دراسة صادرة عن مؤسسة ريستاد إنرجي تكلفة إعادة إعمار وإصلاح منشآت الطاقة المتضررة جراء الحرب في الشرق الأوسط بنحو 25 مليار دولار على الأقل.
مع ذلك، هناك دولة واحدة في المنطقة تستفيد من الوضع الحالي وهي إيران، حيث تحتكر تدفقات النفط والغاز التي تعبر مضيق هرمز، وتجني طهران مكاسب مزدوجة من تحركات الأسعار منذ بدء الحرب.
2 - شركات التأمين الخليجية
رغم استفادة شركات التأمين العالمية من ارتفاع أقساط التأمين تبدو نظيراتها الخليجية في مأزق، بسبب المطالبات والتعويضات التي قد تنشأ عن الحرب.
وتوقعت مؤسسة إس آند بي غلوبال ريتينغز تباطؤ نمو إيرادات شركات التأمين في دول الخليج العام الحالي، ليبلغ نحو 5 % فقط بالسعودية والإمارات، بينما قد يكون أضعف في بقية أسواق الخليج الأخرى، بعدما حقق القطاع نمواً قوياً في الإيرادات برقم من خانتين خلال السنوات الماضية.
وشهدت أسهم شركات التأمين في السعودية والإمارات ميلاً واضحاً نحو التراجع منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، مع تفاوت في نسب الهبوط.
3 - الذهب والمعادن النفيسة
كان الذهب وزملاؤه من حزمة المعادن النفيسة من أكثر البنود التي خالفت التوقعات في الشهر الأول من حرب إيران. فبدلاً من أن تحل هذه المعادن في قائمة أبرز الفائزين، بوصفها الملاذ الآمن، هبط الذهب بنحو 4 % في الأيام الأربعة الأولى بعد الضربات الأولى وأكثر من 15 % في الفترة بين 28 فبراير و16 مارس مع صعود الدولار. وكان الأداء مشابهاً في المعادن النفيسة الأخرى مثل الفضة والبلاديوم والتيتانيوم، التي أُصيبت هي الأخرى بهبوط جماعي.
ورغم ارتفاع المخاطر وسط حرب إيران، لم يُقبل المستثمرون على الذهب كملاذ آمن وإنما تخلصوا منه لتوفير السيولة. كما أدى توقف بعض البنوك المركزية عن شراء مزيد من الذهب أو بيع جزء من حيازاتها خلال الحرب إلى زيادة الضغوط.
4 - الأسواق الناشئة... ضربة ثلاثية
وجهت الحرب ضربة ثلاثية للأسواق الناشئة، خاصة تلك المعتمدة على الاستيراد، حيث تتجه أسهمها وعملاتها نحو تسجيل أكبر خسارة شهرية لها منذ ذروة جائحة كورونا 2020، كما تخلى المستثمرون عن جزء كبير من أصولها وسنداتها في ظل ارتفاع الدولار وحالة عدم اليقين المحيطة بالحرب.
وتراجع مؤشر «إم إس سي آي» لعملات الأسواق الناشئة نحو 1.4 % في أول أسبوع فقط من الحرب، بينما هبط المؤشر المقارن لأسهم الأسواق الناشئة بأكثر من6 %، وبات كلاهما على مسار تسجيل أسوأ أداء شهري منذ مارس 2020.
5 - السياحة والسفر
يُعدّ القطاع واحداً من الأكثر والأسرع تضرراً من تداعيات الحرب، حيث بدأ الطلب على الرحلات السياحية يتراجع بالفعل تحت وطأة حالة عدم اليقين المرتبطة بحرب إيران، وفق بلومبرغ. وانخفضت حجوزات الصيف من أوروبا إلى الولايات المتحدة بنحو 15 % مقارنة بالعام الماضي، فيما تراجعت الحركة في الاتجاه المعاكس بنسبة 11 %، بحسب بيانات شركة «سيريوم». كما تراجعت الحجوزات من آسيا إلى أوروبا بنسبة 4.4 %، بما يشمل الرحلات التي تمر عبر الشرق الأوسط.
كما ارتفعت أسعار تذاكر الطيران في بعض الخطوط حتى 560 % نتيجة زيادة أسعار الوقود.
6 - السلع الفاخرة والكماليات
تراجعت أسهم كبرى شركات السلع الفاخرة 15 % أو أكثر منذ اندلاع الحرب مع إيران، في وقت يحذر فيه محللون من احتمال انخفاض المبيعات في سوق الشرق الأوسط المهمة للقطاع إلى النصف.
وانخفضت أسهم شركتي «إل في إم إتش» و«هيرميس» بنحو 16 % و20 % على التوالي خلال هذا الشهر، مقارنة بتراجع أقل من 6 % لمؤشر «إس آند بي 500». كما هبطت أسهم «فيراري» بنحو 15 %، وأعلنت الشركة تعليق تسليم سياراتها إلى الشرق الأوسط موقتاً. كذلك أوقفت شركات السيارات الفاخرة مثل «بنتلي» و«مازيراتي» عمليات التسليم بسبب المخاطر الأمنية والتحديات اللوجستية.
7 - خسائر الصناعة
القطاع الصناعي خسر عبر قنوات الطاقة والخامات والتمويل، ففي منطقة اليورو هبط مؤشر مديري المشتريات المركب إلى 50.5 في مارس من 51.9 في فبراير، وهو أدنى مستوى في عشرة أشهر. وفي الولايات المتحدة تراجع المؤشر بمقدار 0.5 نقطة إلى 51.4 نقطة.
8 - الزراعة... صدمة الأسمدة والديزل
الزراعة أيضاً ربما تكون من أكبر الخاسرين إذا استمرت الحرب بضعة أسابيع إضافية، لأن صدمة الأسمدة والديزل بدأت بالفعل.
أكبر فائز... وخاسر
بعيداً عن الخسائر المباشرة للدول، يمكن القول إن أكبر خاسر فعلي حالياً هو المستهلك العالمي، الذي ارتفعت أسعار معظم السلع والبضائع عليه، خاصة في الدول المعتمدة على الاستيراد، بعدما رفعت الحرب أسعار أنواع الوقود المختلفة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات حتى 200 دولار للبرميل في بعض الأنواع.
أما أقرب فائز واضح من هذه الحرب، فهي روسيا، التي خففت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على نفطها، وزادت مبيعاتها من الطاقة لدول عدة.