إجماع إسرائيلي على المنطقة العازلة... وحرب حتى الليطاني
مستقبل الحرب في لبنان مرتبط بالتفاهمات الأميركية - الإيرانية!
- إسرائيل دخلت مستنقعاً عسكرياً من دون خطة سياسية واضحة لليوم التالي
- آفي اشكنازي: «فيلم رعب»... سبق وأن كنا فيه ولم نستخلص العبر
اندلعت الحرب الإسرائيلية - الأميركية الموسعة على إيران في 28 فبراير الماضي... وفي الثاني من مارس الجاري، انضم «حزب الله» إلى الصراع، وأطلق صواريخ وطائرات مسيرة بشكل شبه يومي باتجاه المستوطنات الشمالية والعمق الإسرائيلي، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين المستوطنين، بينهم الضابط أوري بيريتس (43 عاماً) الذي سقط في نهاريا جراء رشقة صاروخية وهو يستعد للانضمام لفرقته العسكرية.
في اليوم التالي (3 مارس)، شنّ جيش الاحتلال غارات جوية موسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب لبنان وشرقه، تلتها توغلات برية أسفرت عن سقوط مئات الشهداء وإصابة الآلاف، من دون تفريق بين مدنيين ومقاتلين.
كما تسببت الغارات في أضرار جسيمة للبنية التحتية الصحية، بما في ذلك أكثر من 70 اعتداءً على فرق الإسعاف والطوارئ، ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المسعفين والعاملين في المجال الصحي.
حزام أمني جديد تحت مسمى مختلف
وفقاً لصحيفة «معاريف»، وتحديداً في مقال المحلل العسكري آفي اشكنازي تحت عنوان «فيلم رعب»، يعيش الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وضعاً «حساساً وهشاً» للغاية.
ويشير اشكنازي إلى أن الجيش حشد عشرات الآلاف من عناصره في لبنان، لكنه في معظم المناطق التي دخلها، توقف عند نقاط متقدمة تمتد من بضع مئات من الأمتار إلى بضعة كيلومترات. المهمة الأساسية للمقاتلين، كما يصفها الكاتب، هي «ببساطة ألا يتعرضوا للضرب».
يواجه الجيش نيراناً مستمرة من حزب الله، تشمل قذائف مضادة للدروع وصواريخ، ما أدى إلى ارتفاع عدد الإصابات في صفوفه بشكل ملحوظ - من دون ان يذكر عدد القتلى والجرحى (ممنوع بأمر من الرقابة العسكرية).
خطة الجيش، وفقاً لاشكنازي، تهدف إلى الوصول إلى نهر الليطاني وخلق «خط مجرد» يمتد من النهر حتى الخط الأزرق. وهذا يعني عملياً، كما يحذر، أن إسرائيل تتجه إلى إعادة إنشاء «الحزام الأمني» في لبنان، وإن كان تحت مسميات جديدة مثل «الخط الأصفر الشمالي» أو «الدفاع المتقدم» (اشكنازي، «معاريف»).
إجماع إسرائيلي على المنطقة العازلة
ويكتب المحلل في «آيرش تايمز» أن هناك «إجماعاً واسعاً على ضرورة إنشاء منطقة أمنية جديدة» في جنوب لبنان. ويشير إلى أن الدرس الإستراتيجي الرئيسي الذي استخلصه المخططون العسكريون بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 هو أن إسرائيل لم يعد بإمكانها السماح للميليشيات المعادية بالتمركز على حدودها.
ويضيف أن النقاش لم يعد حول ما إذا كان يجب إنشاء منطقة عازلة، بل حول نطاق هذه المنطقة.
ووفقاً للمصدر نفسه، فإن إسرائيل تهدف إلى دفع مقاتلي حزب الله إلى مواقع أكثر بعداً، على بعد سبعة أو ثمانية كيلومترات من الحدود.
ويقول مصدر إسرائيلي: «لدينا مشكلة مع هذه الصواريخ، ولا يمكنك التعامل معها وأنت على بعد ميل ونصف الميل فقط داخل لبنان».
في السياق نفسه، صرّح وزير الحرب يسرائيل كاتس بأن إسرائيل ستحتل جنوب لبنان حتى نهر الليطاني لإنشاء «حاجز دفاعي».
وقال: «سيسيطر الجيش الإسرائيلي على الجسور المتبقية والمنطقة الأمنية حتى الليطاني».
وكرر وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، تصريحات مماثلة، قائلاً «يجب أن يكون نهر الليطاني حدودنا الجديدة مع لبنان، مثل الخط الأصفر في غزة وجبل حرمون في سوريا».
تحذيرات من تكرار كابوس الاحتلال
في تحذير صارخ، يذكر الكاتب الإسرائيلي نداف تامير، (المدير التنفيذي لمنظمة «J Street Israel») في مدونة بصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» أن الجيش الإسرائيلي كان متمركزاً في المنطقة الأمنية في لبنان من 1985 إلى 2000، ودفع 559 جندياً حياتهم ثمناً لذلك الوجود.
ويتابع «بعد 26 عاماً، يجب أن ندرك كم كان المستنقع اللبناني عميقاً ومليئاً بالدماء بالنسبة لنا».
ويضيف تامير: «كان ينبغي أن نتعلم منذ زمن طويل أن القوة وحدها لا يمكنها القضاء على حزب الله. لقد جربنا هذا مرات عديدة، وانتهى كل منها بجولة أخرى، عملية أخرى، عودة أخرى إلى واقع الدماء. حلقة الدم تستمر في التكرار».
الخلاصة الميدانية
إسرائيل تعيد إنتاج نموذج الاحتلال الجزئي لجنوب لبنان، لكن هذه المرة في ظل ظروف أكثر تعقيداً، مع خسائر يومية واستنزاف مستمر للقوات، وسط تحذيرات من تكرار «الكابوس» الذي عاشه جيش الاحتلال في الثمانينيات والتسعينيات.
خسائر الاحتلال... الأبعاد البشرية والإستراتيجية
بخلاف الإحصاءات الرسمية التي تمتنع إسرائيل عن نشرها بشكل كامل، تشير «معاريف» إلى أن عدد المصابين في صفوف الجيش في جنوب لبنان «ارتفع في نهاية الأسبوع»، وأن معظم الإصابات ناتجة عن نيران مضادة للدروع وصواريخ (اشكنازي، المصدر نفسه).
من جانبها، تعلن «جيروزاليم بوست» أن الجيش قتل ما يقرب من 600 من عناصر حزب الله منذ تجدد القتال. كما قُتل ما لا يقل عن 220 عنصراً من «قوة الرضوان» و150 من مشغلي قاذفات الصواريخ أرض - أرض.
أما صحيفة «هآرتس» (مقال يغيل ليف) فتنقل عن رئيس بلدية كريات شمونة «لقد خسرنا مدينة»، في إشارة إلى حجم الدمار النفسي والاجتماعي والاقتصادي الذي لحق بالشمال الإسرائيلي نتيجة القصف الصاروخي المستمر.
خسائر إستراتيجية: استنزاف القدرات الدفاعية
تكشف الكاتبة ايريس ليعال، في «هآرتس» (مقال «يراهن على حياتنا») عن قصور في المعلومات الاستخبارية، و«مبالغة سلاح الجو في تقدير قدرته على تعطيل القدرة الصاروخية الإيرانية»، بالإضافة إلى «استنزاف حاد لمخزون إسرائيل من صواريخ الاعتراض».
وتشير إلى تقارير في صحيفتي «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال» تفيد بأن الولايات المتحدة تفحص نقل صواريخ اعتراض كانت مخصصة لأوكرانيا إلى إسرائيل، وأن إسرائيل تدخر صواريخ الاعتراض الجيدة، ما يسمح باختراق المزيد من الصواريخ للدفاعات الجوية.
أزمة القوات: نقص يصل إلى 20 ألف جندي
في تطور خطير، كشف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، في مقابلة مع القناة 12، أن الجيش يواجه نقصاً يبلغ نحو 20 ألف جندي، واتهم حكومة بنيامين نتنياهو بـ «تعطيل قدرة الجيش على تحقيق النصر عبر جبهات متعددة» لأسباب سياسية، مشيراً إلى رفض نتنياهو تجنيد اليهود المتطرفين (الحريديم) لسد النقص.
ويؤكد الناطق العسكري إفي ديفرين، من جهته، أن الجيش يواجه عجزاً يبلغ نحو 15 ألف جندي، بسبب توسع العمليات على جبهات متعددة (لبنان، قطاع غزة، الضفة الغربية، وسوريا) وغياب تشريع يلزم الحريديم بالتجنيد.
كما حذّر رئيس الأركان إيال زامير، من أن الجيش يتجه نحو «توتر داخلي» بسبب الأعباء التشغيلية المتنامية.
الخسائر الإسرائيلية لا تقتصر على القتلى والجرحى في الميدان، بل تمتد إلى استنزاف رادع الصواريخ الاعتراضية، وانهيار الثقة بين الحكومة وسكان الشمال، وأزمة هيكلية في القوى البشرية للجيش، ما يهدد قدرة إسرائيل على إدارة حرب متعددة الجبهة لفترة طويلة.
رؤية الاحتلال لتطورات الحرب ومستقبلها
ربط الساحات: من إيران إلى لبنان
يرى زيسر، أن الحرب في لبنان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرب في إيران. ويشير إلى أن إيران أدرجت في مطالبها لإنهاء القتال مع الولايات المتحدة مطلباً واضحاً: وقف القتال في لبنان أيضاً.
ويحذر من أن ترامب قد يستجيب لهذا الطلب، ما سيحقق لحزب الله «إنجازاً دراماتيكياً» يعزز مكانته ويمنحه فرصة لإعادة بناء قدراته (إيال زيسر، «إسرائيل اليوم»).
ويضيف كاتب «آيرش تايمز» أن انتهاء الحرب في إيران قد يؤدي إلى تمديد العمليات في جنوب لبنان بدلاً من إنهائها، حيث ستكون إسرائيل قادرة على تحويل المزيد من الموارد إلى الجبهة الشمالية.
انتقادات حادة لإدارة المعركة في لبنان
يوجه زيسر، انتقادات لاذعة للجيش والحكومة، متسائلاً «لماذا استغرق الأمر ثلاثة أسابيع لضرب الجسور التي يمرر عبرها حزب الله التموين؟ لماذا لم يتم استهداف الهياكل اللوجستية للحزب (كمنشآت الوقود) منذ الأيام الأولى؟ لماذا لايزال الجيش يتصرف بتردد ويتقدم ببطء نحو الليطاني»؟
ويصف زيسر، سياسة إسرائيل في لبنان بأنها «عجيبة ومقلقة»، وكأنها لم تستخلص الدروس من جولات المواجهة السابقة، وكأنها لاتزال تؤمن بوهم أن الحكومة اللبنانية والجيش سينزعان سلاح حزب الله نيابة عنها.
خيار بناء جسور مع الحكومة اللبنانية
في مقابل التيار السائد، يطرح نداف تامير، في «تايمز أوف إسرائيل» رؤية بديلة.
ويرى أن الحرب يجب أن تكون ضد حزب الله، وليس ضد الشعب اللبناني أو الدولة. ويشير إلى أن القيادة اللبنانية الجديدة، برئاسة الرئيس جوزف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، «تريد ويمكنها، اليوم أكثر من أي وقت مضى، التعاون في هزيمة حزب الله».
ويضيف «عندما تركز إسرائيل على الأهداف المدنية بدلاً من بنية حزب الله التحتية، فإنها تجعل المهمة أكثر صعوبة على القادة الجدد في بيروت وتجبرهم على الوقوف ضد إسرائيل بدلاً من أن يكونوا هم من يقود المعركة ضد حزب الله».
التفاهمات الأميركية - الإيرانية
وتخشى إسرائيل من اتفاق يوقف الحرب في إيران ويُترك «حزب الله»، بينما تعجز عن إنهاء التهديد الشمالي بشكل حاسم.
وهناك انقسام داخلي بين من يدعو إلى الاحتلال العسكري المباشر ومن يدعو إلى بناء تحالفات مع الحكومة اللبنانية.
البقاء في السلطة
في كشف خطير، تنقل ايريس ليعال، في «هآرتس» عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى ومصدر إسرائيلي، أن نتنياهو، حاول إقناع الرئيس دونالد ترامب، بدعوة الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع بأعداد كبيرة لتسريع إسقاط النظام.
ووفقاً للمصادر، رد ترامب بصدمة قائلاً «لماذا بحق الجحيم نطلب من الناس الخروج إلى الشوارع في الوقت الذي يتم قتلهم فيه»؟
تصف ليعال، هذا الموقف بأنه يقدم «صورة دقيقة عن شخصية نتنياهو وقيادته»، مشيرة إلى أنه حتى ترامب - الذي يصف نفسه بالزعيم القوي - «ارتجف من فكرة تعريض الإيرانيين للخطر بهذه القسوة».
نتنياهو يراهن على حياة الإسرائيليين
تستمر ليعال، في هجومها على نتنياهو، فتصفه بأنه «الشخص الذي تلطخت يديه بدماء 70 ألف غزي، بينهم نساء وأطفال».
وتضيف أنه بعد نشر خبر محاولته استغلال الإيرانيين كورقة ضغط، توجه إلى رؤساء السلطات في الشمال وطلب منهم منع إخلاء المستوطنات، رغم القصف اليومي.
وتخلص ليعال، إلى أن نتنياهو «مات من الداخل»، وأنه مستعد للمخاطرة بحياة الإسرائيليين والإيرانيين والفلسطينيين، على حد سواء، طالما أن ذلك يخدم مصالحه السياسية في البقاء في السلطة.
وختمت «نتنياهو، يستخدم الحرب على غزة ولبنان وإيران كوسيلة لتمديد بقائه في السلطة والتوسع في المنطقة وفق أوهام تلمودية مسحونية، ويتحمل مسؤولية مباشرة عن تعريض حياة المدنيين للخطر في جميع هذه الجبهات، مع إظهار استعداد لاستغلال أي أزمة إنسانية لتحقيق مكاسب سياسية. حتى حلفاؤه الأميركيون وحلفاؤه السياسيون السابقون في إسرائيل يصفونه بأنه عقبة أمام النصر».
وتجمع المصادر الإسرائيلية والدولية على أن إسرائيل دخلت في مستنقع عسكري في لبنان، مع خسائر يومية واستنزاف للقدرات، من دون خطة سياسية واضحة لليوم التالي. التحذير الأكبر يأتي من آفي اشكنازي: «لقد سبق أن كنا في هذا الفيلم، وهذا فيلم رعب»، ومن نداف تامير، الذي يذكر بـ559 جندياً دفعوا حياتهم ثمناً للحزام الأمني السابق.
في النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل تخرج إسرائيل من هذه الحرب كما خرجت من حرب 2006 - من دون تحقيق أهدافها الإستراتيجية، ومع تعزيز مكانة «حزب الله»؟ أم أن هذه المرة مختلفة، كما يريد صناع القرار في تل أبيب وواشنطن أن يعتقدوا؟