سفير إيران «المطرود» لم يغادر لبنان مع نهاية المهلة
إسرائيل تَختبر «دفرسوار» من جبل الشيخ إلى البقاع لبلوغ «الصوامع الإستراتيجية»
- عملية التفاف إسرائيلية من جبل الشيخ وصولاً الى جنوب لبنان... وما خفي أعظم
- تقارير في إسرائيل عن أن جيشها لن يغادر جنوب لبنان في غضون أشهر وربما سنوات
- هل توغلت إسرائيل حتى رأس البياضة في عمق 14 كيلومتراً؟
- نتنياهو يأمر بتوسيع «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان
... إلى «دفرسوار» جبل الشيخ دُر. فمن خلْف غبار المعارك الطاحنة التي تتوسّع دائرتُها داخل جنوب الليطاني وفي عمقٍ بلغ، الأحد، للمرة الأولى 14 كيلومتراً في رأس البياضة، وعلى وَهْجِ خفوتِ المَسارِ الدبلوماسي على جبهةِ إيران حيث بلغت الحربُ في الساعات الماضية ذروة جديدة مع تَصاعُدِ الهجمات الصاروخية المتناسِقة على إسرائيل من طهران و«حزب الله» والحوثيين وتَعَرُّضِ الجمهورية الإسلامية لاستهدافاتٍ كأنّها تُسابِقُ مهلة الأيام العشرة التي حدّدتها واشنطن قبل «الضربة النهائية»، بدا الإعلان عن توغّل إسرائيلي غير مسبوق من الجولان السوري إلى جنوب لبنان تَطَوُّراً فوق عادي يؤشر لارتقاء جديد في المواجهة التي ترفع تل أبيب على تخومها من شروطها مع كلّ تَقَدُّمٍ في الميدان وقَضْمٍ لأراضي «بلاد الأرز» على حدودها الشمالية.
ففي تطوُّر اعتُبر من وسائل إعلام في تل أبيب انتقالاً من سياسة الغارات الجوية والقصف عن بُعد إلى تحرّكات برّية أكثر جرأة «ما قد يعني عملياً محاولة إسرائيل فرض معادلات جديدة على طول المثلث الحدودي بين سوريا ولبنان وإسرائيل» أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية عابرة للحدود من جبل الشيخ في شقه السوري إلى جنوب لبنان، بينما أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتوسيع «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان، مؤكداً عزمه على تغيير الوضع الأمني هناك جذرياً.
وذكر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قوات وحدة رجال - الألب تحت قيادة لواء الجبال (810)، أنجزت عملية مخصصة لإحباط محاولات تموضع تنظيمات مسلحة في منطقة الحدود مع لبنان، موضحاً أنه «في إطار العملية، عملت القوات في تضاريس جبلية معقّدة وعَبَرَتْ الحدود من خلال التسلق في الثلوج من جبل الشيخ في شقه السوري إلى منطقة جبل روس (هار دوف – أي مزارع شبعا المحتلة) في جنوب لبنان بهدف تمشيط المنطقة وجمْع المعلومات الاستخبارية، وكشْف بنى تحتية للعدو في المنطقة، وذلك باستخدام القدرات والأدوات الفريدة لوحدة الكوماندوس الجبلية».
وختم أدرعي: «تواصل قوات الفرقة 210 انتشارها في المنطقة بهدف حماية أمن مواطني إسرائيل ولا سيما سكان الشمال».
وإذ أظهرت مشاهد بثّها الجيش الإسرائيلي عناصر الوحدة يتسلّقون جبل الشيخ صعوداً قبل أن يتحركوا نزولاً على منحدرات مزارع شبعا، أثار هذا التطور علامات استفهام حول خلفياته التي بدت أبعد من منْع تحرك «حزب الله» ووكلاء إيران بين الجبهتين اللبنانية والسورية.
«جبهة مركّبة»
وفي حين اعتبرت «i24» الإسرائيلية أن ما جرى «يَطرح تساؤلات جديةً حول توسيع رقعة المواجهة في الشمال وفتح جبهة مركّبة سورية - لبنانية في آن واحد»، لفتت إلى «أن النشاط العسكري الإسرائيلي من الحدود السورية تطور لافت لمواجهة حزب الله»، ناقلة عن مصدر أمني مطلع «أن الجيش الإسرائيلي يتوسع داخل الأراضي السورية بما يشمل الحدود مع لبنان»، ومتحدثة عن أنه «لم تصدر روايات مفصّلة من الجانب اللبناني أو السوري حول حجم التوغّل وطبيعته، وتضارب في الأنباء بين وصفه بعملية تمشيط محدودة داخل مناطق حدودية وعملية أوسع ترمي إلى فرض وقائع جديدة في محيط جبل روس».
وفي لبنان، أثار الالتفافُ الذي قام به الجيش الإسرائيلي من جبل الشيخ قلقاً من أبعادٍ له تتّصل بإطلاق مرحلة جديدة من التوغل البري المستمرّ جنوب الليطاني بهدف إقامة منطقة عازلة، وهي المرحلة التي ترتكز على موقع هذا الجبل الذي احتلت إسرائيل السفح السوري منه عقب سقوط حكم بشار الأسد أواخر 2024، (حيث وسعت انتشارها في المنطقة العازلة من الجولان الذي تحتل أجزاء واسعة منه) ويشكّل الحدّ الفاصل بين «بلاد الأرز» وسوريا وسبق أن استحدثت تل أبيب في مرتفعاته مواقع تشرف تقريباً على نحو 60 في المئة من مساحة لبنان، ومنها البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا وصور والنبطية وسهل البقاع وسلسلة جبال لبنان الغربية.
فمنذ زجّ «حزب الله» لبنان في حرب إسناد إيران في 2 مارس الماضي، وحتى قبل انفجار الحرب مع الجمهورية الإسلامية وتحديداً على وقع اصطدام ملف سحْب سلاح «حزب الله» بمعاندةٍ من الأخيرة ورفْض من الدولة اللبنانية لأي مسارٍ صِدامي مع الحزب، حضر في الكواليس سيناريو يقوم على اختراق الجيش الإسرائيلي عمق منطقة البقاع الغربي (عبر جبل الشيخ) الذي يشكّل نقطةَ وَصْلٍ بين الجنوب والبقاع، وامتداداً للبقاعين الأوسط والشمالي، وذلك بهدف الوصول إلى حيث تعتقد تل أبيب أن الحزب يخزّن صواريخَه البالستية ومسيّراته.
وفي حين بدا توغل اليوم الأحد، عبر جبل الشيخ بمثابة امتحانٍ لدفاعات «حزب الله» ومواقع تمركزه، كانت الساعات الماضية شهدت تكثيفاً للغارات الإسرائيلية على بلدات عدة في البقاع الغربي، في تطور وُضع ايضاً في إطار إحكام الحصار على جنوب الليطاني من الجهة الشرقية لضمان مزيد من التوغّل البري الذي سيكون جسر عبور لتل أبيب نحو شروط سياسية وأمنية قاسية على طاولة التفاوض عندما يَحين وقتها وورقة الضغط الأقوى على لبنان لاستكمال تفكيك ما سيبقى من ترسانة «حزب الله» بعد أن تقضي الحرب - وفق حسابات إسرائيل - على القسم الأكبر منها.
ولم يكن عابراً في هذا الإطار ما أوردته «القناة 14 الإسرائيلية» من أنّ الفرقة 146 نفّذت عملية عسكرية غير مسبوقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، واستولت على منطقة رأس البياضة «في غضون خمس ساعات فقط»، موضحة أن «هذه المناورة الهجومية نفّذتْها عدة ألوية، وقَطعت مسافة تقارب 14 كيلومتراً، في خطوة أسفرت عن إنجاز عسكري مهم».
في موازاة ذلك، أوردت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الجيش لن ينسحب من جنوب لبنان حتى يُسلّم "حزب الله" سلاحه، وأن تل أبيب «تعتزم إبقاء قواتها في جنوب لبنان لأشهر وربما لسنوات».
ونقلت عن مصدر أمني «أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن نزع سلاح حزب الله، وبقاء الجيش الإسرائيلي في عمق المنطقة سيستمر لعدة أشهر على الأقل، وربما لسنوات، وحتى في حال التوصل إلى وقف النار، كما تقول المؤسسة العسكرية، فإن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المنطقة».
وتابعت أنّ «إسرائيل تعمل على ضمان عدم ربْط أي هدنة محتمَلة مع إيران بوقف العمليات في لبنان، فيما تسعى طهران لربط الجبهتين»، مشيرة إلى أنّ «الولايات المتحدة تركز حالياً على إيران، مانحة إسرائيل حرية عمل نسبية في لبنان مع شرط تجنب استهداف البنية التحتية المدنية».
وفي الوقت الذي كتبت الناطقة باسم الجيش إيلا واوية عبر منصة «أكس»، «نحن اليوم أمام لحظة تاريخية لتصميم واقع أمني جديد، يمتدّ أثره من طهران إلى بيروت، وهدفنا تقويض النظام الإرهابي الإيراني وإزالة التهديدات الوجودية عن مواطنينا»، و«ما يسمى «حامي الوطن» في لبنان فشل في مهامه، فلم ينزع سلاح حزب الله ولم يمنع التموضع الإيراني والجيش الإسرائيلي لم يعد يقبل بأنصاف الحلول أو «المعادلات» القديمة. نحن اليوم نضرب رأس الأخطبوط في إيران ونقطع أذرعه في لبنان»، لم يتوانَ أدرعي عن توجيه «إنذار عاجل وخطير»، أعلن فيه «أنه وفي إطار أنشطته، يقوم حزب الله باستخدام سيارات الإسعاف استخداماً عسكرياً واسعاً».
وحذّر من انه «يجب التوقف فوراً عن الاستخدام العسكري للمرافق الطبية وسيارات الإسعاف ونؤكد أنه في حال عدم التوقف عن هذا النهج فإن إسرائيل ستعمل وفقاً للقانون الدولي ضد أي نشاط عسكري يقوم به حزب الله مستخدما تلك المرافق وسيارات الإسعاف».
استهداف القطاع الصحي
وشكّل هذا الإنذار غطاء لاستهداف إسرائيلي جديد للقطاع الصحي وتحديداً سيّارة إسعاف تابعة للهيئة الصحية في بنت جبيل، التي باتت بحكم المحاصرة، ما أدى إلى سقوط مسعف، كما جرى استهداف مخزن الأدوية واللوازم في مستشفى بنت جبيل الحكومي ما أدى إلى احتراق المخزن بشكل كامل.
وفي الميدان المتلهب ايضاً، انتشرت صورة غير مسبوقة مساء السبت، أظهرت إضرام الجيش الإسرائيلي النار في عدد من المنازل في بلدة عدشيت القصير في قضاء مرجعيون، وسط تقارير عن أنه وصل إلى محطة الليطاني الواقعة على مجرى النهر الذي يراوح عمق المسافة التي تفصله على الحدود مع إسرائيل بين 6 و30 كيلومتراً.
في المقابل، كثّف «حزب الله» ضرباته الصاروخية التي يُبْدي وفق أوساط مراقبة أهمية كبيرة لها كونها معيار وأداة الإسناد الرئيسية لإيران عبر إغراق منظومات الدفاع الإسرائيلية وإشغالها، وهو نفّذ الأحد، قصفاً استهدف كل المناطق الشمالية من حيفا إلى الحدود مع لبنان بعدة صواريخ، كما كان الركن الثاني من استهدافٍ تزامن مع آخر إيراني على شمال إسرائيل والجليل ما استدرج دوي صفارات الإنذار في أكثر من 100 بلدة.
وفي موازاة هجماتٍ صاروخية وبالمسيّرات ينفذها ايضاً على قوات إسرائيلية داخل بلدات لبنانية، برز تظهير جديد قام به الحرس الثوري لـ «وحدة الجبهة» مع لبنان، حيث أهدى «الموجة 86» من عملية «الوعد الصادق» التي بدأها فجر الأحد إلى الصحافيين علي شعيب، محمد فتوني، وفاطمة فتوني، الذين سقطوا في غارة إسرائيلية السبت، على طريق جزين.
أزمة طرد السفير الإيراني
ولم تحجب قرقعة السلاح الانظار عن أزمة طرْد السفير الإيراني المعيّن في بيروت محمد رضا شيباني والتي انتهتْ المهلة التي مَنَحَه اياها لبنان للمغادرة (الأحد) من دون أن يستجيب.
وطرح هذا «التمرّد»، خصوصاً إذا استمرّ، أسئلة عن تداعياته على هيبة الدولة اللبنانية التي تبدو أمام اختبار دقيقٍ لمدى قدرتها على إجبار الشيباني، الذي بات فاقداً للحصانة الدبلوماسية على المغادرة كونه«غير مرغوب فيه»، من دون تفجير مشكلة داخلية في ضوء اعتراض الصوت العالي من الثنائي الشيعي («حزب الله» و«حركة أمل») على قرار وزارة الخارجية الذي صدر بتنسيق تام مع رئيسي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام.
وتَشي التفاعلاتُ بأنّ مَخْرجاً موقتاً قد يقوم على أن الدولة اتخذت قرارَها السياديّ ووجهت الرسالةَ لإيران وربطت النزاع الدبلوماسي والسياسي معها على خلفية أدوار الحرس في لبنان، وأنه حتى لو اختارتْ طهران والشيباني الظهور كمَن «يحتلّ موقعاً» في دولةٍ أخرى وبغير رغبتها، فإن أَثَر هذا التدبير وَقَع وإن حالت دون التنفيذ حالياً معوقات ترتبط بالواقع الداخلي كما قانونية.