اختلال مثلث التجارة في الخليج... أكثر من 4 عقود دون إطار منظّم للشحن البري

تصغير
تكبير

بحكم خبرتي المصرفية الطويلة في الكويت وخارجها، وكوني شاهداً على أحداث الغزو العراقي الغاشم، أجد نفسي اليوم أمام مشهد يتقاطع في بعض ملامحه مع ما عشناه آنذاك، وإن اختلفت السياقات والأطراف. فمن البضائع التي كانت في طريقها إلى الكويت ولم تتمكن من دخولها قبيل الاحتلال، إلى ما نشهده اليوم من تداعيات الحرب الدائرة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مصير السلع العابرة ومخاطر التعطل وتبعات ذلك على الأسواق.

وفي هذا السياق، أسعى إلى إجراء مقارنة تبادلية بين ما حدث في تلك المرحلة التاريخية، وما تشهده سلاسل الإمداد العالمية اليوم من اضطرابات متسارعة، وما تخلقه من اختلال في العلاقة المعقدة بين التاجر والبنك والبضاعة، لا سيما في إطار الاعتمادات المستندية. كما أتناول انعكاسات هذه الاضطرابات على السيولة التجارية، وتصاعد تضارب المصالح، وما قد يقود إليه ذلك من تغيرات في هيكل السوق.

إبان الغزو العراقي، انقسمت معضلات البضائع الكويتية إلى قسمين: الأول، بضائع وصلت إلى موانئ التفريغ في الكويت؛ والثاني، بضائع كانت في طريقها إلى الموانئ الكويتية، إلا أنها لم ترسُ فيها، فغيّرت وجهتها إلى موانئ قريبة، من أبرزها ميناء راشد في إمارة دبي. أما البضائع التي وصلت الكويت في الثاني من أغسطس وقبله، تعرّضت للسرقة من قبل الجيش العراقي، أي «فرهود» حسب المصطلح العراقي، وأُدرجت لاحقاً من قبل الدولة ضمن مطالبات التعويض عن أضرار الغزو. في المقابل، استضاف ميناء راشد في دبي البضائع الأخرى برسم الأمانة، حيث حرصت الإمارة -مشكورة- على الحفاظ عليها حتى التحرير، دون احتساب أي رسوم أرضيات أو مصاريف إضافية كالضرائب وغيرها.

وفي هذا السياق، لعب البنك الأهلي الكويتي، بوصفه البنك الكويتي الوحيد المرخص هناك آنذاك، دوراً مهماً وفاعلاً بقيادة مديره العام بذلك الوقت رضوان عبدالله جمال، في تسهيل إدارة تلك البضائع.

لا يمكن النظر إلى أزمة الشحن الحالية باعتبارها مجرد اضطراب لوجستي أو تفصيل مصرفي عابر، بل تمثل جوهر أزمة أعمق تتمثل في اختلال هيكلي في مثلث العلاقة بين (التاجر والبنك والبضاعة)، وهو اختلال يعيد تشكيل السوق وآليات عمله بصورة جذرية. ففي إطار الاعتمادات المستندية، بوصفها إحدى أهم الأدوات المصرفية المرتبطة بعمليات الاستيراد، يفرض البنك نفسه دائناً مرتهناً للبضاعة عند إصدار بوالص الشحن باسمه، وهي آلية إضافية لتعزيز ضمان تحصيل الدين، غير أن الظروف الاستثنائية التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، وما يصاحبها من اضطراب في مسارات الشحن، وإمكانية تغيير وجهة البضائع أو التصرف فيها خارج نطاق السيطرة التقليدية والذي يضعف قدرة البنك على بسط رقابته الفعلية على البضاعة.

وبناءً عليه، تصبح البنوك تلقائياً أكثر تحفظاً في إصدار الاعتمادات المستندية، حيث تُجبر البنوك والتاجر معاً على اختيار ميناء تسليم البضاعة للمستورد في ميناء خارج الدولة ليقوم بدوره بشحن البضاعة بالطريق البري. فهناك لا يزال قصور في لجان دول مجلس التعاون بعد أكثر من 40 عاماً على تأسيسه، لعدم إنشاء هياكل للشحن البري المعترف به دولياً، والذي يحافظ على خيار جعل بوالص الشحن متعددة (Multishipment Bills of Lading)، أي التي تسمح بالشحن عبر أكثر من وسيلة (بحراً وبراً معاً) بما يضمن للبنوك تفعيل الضمان.

وعلى خلاف الشحن البحري، الذي يستند إلى أدوات قانونية راسخة تمنح البنك سيطرة فعلية على البضاعة من خلال بوالص الشحن بوصفها مستندات ملكية، يفتقر الشحن البري في دول الخليج إلى إطار قانوني موحّد يضمن استمرارية الحفاظ على البضاعة كضمان للدائن المرتهن.

فاستمرار غياب قواعد موحّدة للشحن البري بين دول المجلس، والتي تُنظّم توزيع المسؤوليات وآليات التعامل مع مستندات الشحن البرية، يضعف الإطار التعاقدي والمستندي، ويجعل النقل البري بعيداً عن تطوير آليات التجارة الدولية كخيار إستراتيجي وخصوصاً مع إحياء طريق الحرير، ما يربك تحقيق التنافس العادل. وهو ما نشهده الآن، على عكس الأنظمة الأوروبية التي عزّزت قواعد النقل البري من خلال «اتفاقية عقد النقل الدولي للبضائع على الطرق البرية «CMR»، التي وضعت إطاراً قانونياً ينظم مسؤوليات النقل.

إنّ عدم تبنّي القواعد الدولية للشحن البري في دول الخليج حتى يومنا هذا، وغياب مثل هذا الإطار، يزيد هشاشة الضمانات المصرفية، ويجعل البضاعة عرضة لتغيير المسار أو التصرف خارج نطاق الرقابة التقليدية، ما يعمّق الاختلال في العلاقة بين التاجر والبنك والبضاعة، ويضعف من فاعلية الاعتمادات المستندية أو سندات التحصيل المستندي كأداة تمويل وضبط للمخاطر، خصوصاً في ظل الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد التي نشهدها اليوم. الأمر الذي يدفع البنوك إلى طلب تغطيات نقدية مرتفعة قد تصل 110 في المئة، أو فرض ضمانات إضافية على قيمة البضائع المراد استيرادها، والتي قد يعجز عن تقديمها أصحاب المشاريع الصغيرة، وذلك للتحوّط من مخاطر فقدان السيطرة على البضاعة، أو عدم قدرة التاجر على الوفاء بالتزاماته عند وصول الشحنة.

إلا أن هذا التوجه، رغم وجاهته من منظور إدارة المخاطر المصرفية، ينعكس سلباً على التاجر، خصوصاً أصحاب المشاريع الصغيرة، من خلال تجميد جزء كبير من سيولته النقدية، ليس فقط في البضاعة المشحونة، بل أيضاً في الضمانات المطلوبة، ما يؤدي إلى اختلال في دورة رأس المال «Cash Flow Cycle» التي يقوم عليها النشاط التجاري. ويترتب على ذلك آثار متسلسلة أبرزها، تعثر قدرة التاجر على إعادة تدوير السيولة وفق خططه السابقة؛ وتأجيل أو إلغاء مشاريع توسعية قائمة؛ وارتفاع تكلفة التمويل والتشغيل؛ وزيادة هشاشة صغار ومتوسطي التجار أمام الصدمات.

وعليه، فإن الأزمة الراهنة لم تعد مجرد أزمة شحن أو تمويل، بل تحولت إلى أزمة توازن في توزيع المخاطر داخل المنظومة التجارية والمالية، تستدعي تدخلاً مؤسسياً لإعادة ضبط العلاقة بين أطرافها، بما يضمن استمرارية النشاط التجاري دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار المصرفي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي