بوابات سور الكويت... حكاية صاغتها الإرادة وحمتها السواعد
تقف بوابات سور الكويت شاهداً صامتاً على مرحلة مفصلية من التاريخ، حين تحوّلت الحاجة إلى الحماية إلى مشروع وطني شارك فيه الأهالي بجهودهم وأدواتهم البسيطة، فصنعوا سوراً صار رمزاً للوحدة والتكاتف. لم تكن تلك البوابات مجرد مداخل ومخارج، بقدر ما كانت معابر للحياة اليومية ونقاط حراسة، وحدوداً فاصلة بين مدينة تنمو وطموحات لا تعرف التراجع.
بُني السور الثالث لمدينة الكويت في مايو 1920، بعد معركة حمض الشهيرة في 1919، في عهد الشيخ سالم المبارك الصباح.
امتد السور على شكل قوس هلالي لمسافة تقارب خمسة أميال من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي، بارتفاع بلغ نحو أربعة أمتار وعمق متر ونصف من الأسفل، متناقصا كلما ارتفع.
أنجز الكويتيون بناءه خلال شهرين فقط (من 28 شعبان إلى 6 شوال 1338هـ)، حيث شارك سكان كل فريج في بناء الجزء المقابل لمنطقتهم. وخلال شهر رمضان، استمر العمل ليلاً على ضوء المصابيح النفطية بعد الإفطار وحتى السحور، فيما كانت مواد البناء من الطين واللبن والجص تُنقل على ظهور الحمير، والماء على ظهور الجمال.
ضم السور خمس بوابات رئيسية و26 مزغلاً (فتحات للمراقبة وإطلاق النار)، إضافة إلى أبراج للحراسة. وكانت البوابات تُغلق ليلا باستثناء واحدة فقط لعبور الداخلين والخارجين، ويقف عند كل منها حارس من حرس الأمير.
وفي 4 فبراير 1957، أزيل السور ضمن خطة تحديث وتوسعة المدينة، مع الإبقاء على بواباته الرئيسية لما تمثله من قيمة تاريخية ومعمارية، وأطلق اسم «شارع السور» على الطريق الممتد بمحاذاة موقعه.
البوابات... معالم باقية
شكّلت بوابات السور المداخل الرئيسية للمدينة، وخضعت جميعها لأعمال ترميم دقيقة في بداية التسعينات، مع الحفاظ على طابعها المعماري الأصيل، وهي:
1 ـ دروازة دسمان (بنيد القار):
• تقع قرب قصر دسمان، وكانت تعد بوابة العائلة الحاكمة ومخرجاً حيوياً باتجاه منطقة بنيد القار. اكتسبت اسمها لترسبات القار على ساحلها وتُعد اليوم شاهداً تاريخياً بارزاً.
2 ـ دروازة الشامية:
• تبلغ مساحة بوابة الشامية نحو 345 متراً مربعاً، وتتكون من مدخلين رئيسيين وعدد من غرف الحراسة والخدمات. وقد أعيد ترميمها بعناية مع الحفاظ على مخططها الأصلي، لتبقى نموذجاً للعمارة الدفاعية في بدايات القرن العشرين.
3 ـ دروازة المقصب:
• تبلغ مساحة بوابة المقصب نحو 92 متراً مربعاً، وتتألف من مدخل رئيسي بعرض يقارب 5.30 متر وغرفة حراسة بمساحة 25 متراً مربعاً تقريباً. وقد روعي في ترميمها الحفاظ الكامل على وضعها الأصلي، حيث أعيدت الحوائط والأسقف والأبواب والنوافذ إلى حالتها الأولى.
شُيّدت جدرانها من الصخر البحري بطبقات مساح تقليدية، فيما عولجت الأجزاء الداخلية بالجبس وفق الأسلوب القديم ذاته. أما الأسقف فهي من خشب الچندل والباسچيل المعالج والبواري، مع طبقة عازلة وميل خفيف لتصريف مياه الأمطار عبر المرازيم التقليدية. كما حُفظت الأرضيات بطبقات الرمل المرصوص، وصينت الأبواب مع الحفاظ على موادها وألوانها الأصلية.
4 ـ دروازة الشعب (البريعصي):
• تصل مساحة بوابة الشعب إلى نحو 177 متراً مربعاً، وتضم مدخلين رئيسيين بعرض يقارب 5.30 متر لكل منهما، إضافة إلى ثلاث غرف حراسة بمساحة إجمالية تقارب 42 متراً مربعاً. وقد حافظت أعمال الترميم على طابعها التاريخي ومكوناتها المعمارية التقليدية.
5 ـ دروازة الجهراء:
• تبلغ مساحة بوابة الجهراء نحو 250 متراً مربعاً، وتضم مدخلين رئيسيين وغرف حراسة وخدمات. وكانت تمثل منفذاً مهماً باتجاه المناطق البرية، وقد أُعيد ترميمها بما ينسجم مع وضعها الأصلي، لتظل معلماً حياً من معالم المدينة القديمة.
قبل السور... جذور الحكاية
بدأت فكرة تسوير الكويت في عهد الشيخ عبدالله الأول بن صباح (1762 - 1813)، وشُيّد السور الأول في 1789، بين منطقتي الشرق وقبلة، وتخللته خمس بوابات. ثم أُقيم السور الثاني عام 1814 في عهد الشيخ جابر بن عبدالله، وأعيد ترميمه عام 1845، واشتمل على سبع بوابات.
رمز للهوية
تقف بوابات سور الكويت شاهداً مادياً على روح التكاتف الشعبي، فهي ليست مجرد عناصر معمارية باقية، بل صفحات مفتوحة من كتاب التاريخ، تروي للأجيال قصة مدينة آمنت بأمنها، فبنت سورها بيديها، وحفظت بواباته رمزاً للهوية والموروث الحضاري.