مصر على خطّ خفْض التوتر... وإسرائيل ستوسّع «المنطقة العازلة»

ارتجاجاتٌ سياسية لطرْد السفير الإيراني لا تكسر قرار الحكومة اللبنانية

دخان غارة إسرائيلية على بلدة القليلة في جنوب لبنان (أ ف ب)
دخان غارة إسرائيلية على بلدة القليلة في جنوب لبنان (أ ف ب)
تصغير
تكبير

على وَقْعِ الساعات العصيبة في المنطقة والعالم رَصْداً لمآلاتِ «الرصاصة الدبلوماسية» الأخيرة الراميةِ لفرْملة الحربِ مع إيران قبل تَفَلُّتها من كل الضوابط وانزلاقها نحو «الأهداف المحرّمة»، بدا لبنان وكأنه يسير على حَبْلٍ مشدودٍ تُثْقِله الارتجاجاتُ السياسيةُ الداخلية المستجدة لقرار سحْب اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني ومنْحه حتى الأحد للمغادرة، والارتداداتُ المكتومة للصاروخ البالستي الذي انفجر أو فُجِّر فوق منطقة كسروان وحَسَمَ الجيشُ اللبناني هويته الإيرانية من دون الجزم بوجهته النهائية رغم ترجيحه أنه خارج أراضي «بلاد الأرز»، كما الصدماتُ العسكرية المتبادلة بين «حزب الله» وإسرائيل التي تتلقى «صعقات» صاروخيةٍ لا تؤثّر في مَسارِ توغُّلها البري الخطير حيث باتت عملياتُها في عمق نحو 8 أو 9 كيلومترات في جنوب الليطاني الذي أعلنت تل أبيب أنه برسْم الاحتلال بكامله أي حتى النهر.

وفيما كان طَرْدُ السفير الإيراني عالقاً بين أسئلةٍ تبدأ بـ «هل كان يعلم» به رئيسا الجمهورية العماد جوزف عون والبرلمان نبيه بري؟ وهل يعمد وزراء «حزب الله» و«أمل» قبل جلسة الحكومة الخميس، إلى لعب ورقة الاستقالة ما لم يكن تم تدويرُ زوايا خطوة يصرّان على التراجع عنها وصار يشكّل تنفيذُها اختباراً مباشراً للدولة اللبنانية تجاه الداخل والخارج يُراد أن يكون «طارِداً» لسمعة «الحبر على ورق» لقراراتها، ارتسمتْ ملامح سعي خارجي لربْطِ «بلاد الأرز» بالإطارِ الذي يُعمل عليه لجبهة إيران ووقْف النار عليها في مقابل تَشَدُّدٍ إسرائيلي حتى الساعة لجهةِ فَصْلِ المساريْن الحربييْن اللبناني والإيراني والمضيّ في تحقيق ما أمكن من مكاسب ميدانية جنوب الليطاني تشكّل العاملَ الحاسم على طاولةِ المفاوضاتِ حول «اليوم التالي» في التوقيت الذي تختاره تل أبيب.

«رسالة مزدوجة»

وإذ لم يتراجع الترجيحُ في بيروت أن يكون البالستي الإيراني الذي باغَتَ جبل لبنان بعد ظهر الثلاثاء وأعلن الجيش أنه نوع «قدر - 110 ويَحتوي على صواريخ صغيرة الحجم» هو في إطار «رسالة مزدوجة» من طهران للبنان والولايات المتحدة - في ضوء عدم سقوط فرضية أن يكون هدف الصاروخ أميركياً سواء السفارة في عوكر أو قاعدة حامات العسكرية شمالاً - ليس فقط رَبْطاً بقرار طرْدِ السفير الإيراني بل أيضاً بمحاولةِ توسيع دائرةِ الضغطِ لوقف الحرب عليها وتكريس ربْط جبهة لبنان بأي وقف للقتال مَنْعاً لاستفراد «حزب الله»بعدها، فإنّ مخاوف كبيرة سادت «بلاد الأرز» مع المناخاتِ التي ظلّلتْ المسارَ الدبلوماسي بشكوكٍ كبيرةٍ وذلك قبل يومين من مهلة الأيام الخمسة التي منحتْها واشنطن للجمهورية الإسلامية وإلا «آخِر الدواء الكيّ».

هذه المناخات، التي تُرجمتْ بمواقف إيرانية عَكَسَتْ عدم قبولٍ ضمني بـ «وثيقة ترامب» التي قوبلتْ بسلّة شروطٍ خماسية من طهران، بينها «وقف الحرب على كل الجبهات»، كما بتصعيد عسكري كبير تجاه إسرائيل انخرط فيه «حزب الله» بصلياتٍ من عشرات الصواريخ وبعضها معاً، عمّقتْ خشيةَ بيروت مما يَنتظر «بلاد الأرز» في الساعات الفاصلة عن «الجمعة المفصلي» كما في حالِ انهيار الفرصة الأخيرة لتَفادي «الأعظم الآتي»، وأيضاً إذا أفضى ربع الساعة الأخير من المهلة الأميركية الى تفاهُم على دخول مفاوضاتٍ «بلا نار» حول ورقة البنود الـ 15 التي طرحتْها واشنطن ولكن من دون أن يشمل ذلك لبنان.

أهداف عسكرية جديدة

هذه المخاوفُ عزّزها إعلانُ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، انّ قواته في طور توسيع «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان.

وأضاف في بيان مصوّر «أنشأنا منطقة أمنية حقيقية تمنع أي تسلل باتجاه الجليل والحدود الشمالية»، مضيفاً «نحن نوسّع هذه المنطقة لإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع، ولإقامة منطقة عازلة أوسع».

وبينما صادق وزير الدفاع يسرائيل كاتس صادق على أهداف عسكرية جديدة في عمق الأراضي الإيرانية وفي لبنان، أعلن الجيش إصابة ضابط خلال اشتباك مع خلية من «حزب الله»، أكد القضاء عليها فور إطلاقها لصاروخ مضاد للدروع على قواته.

انسداد أفق أيٍّ مسارٍ دبلوماسي على الجبهة اللبنانية قبل أن يتبلور الميدان وينقشع غبار معاركه، يفسّر الحراك المصري في اتجاه بيروت التي يزورها الخميس، وزير الخارجية بدر عبدالعاطي الذي يضطلع بدورٍ في الوساطات متعددة الطرف التي تجْري بين واشنطن وطهران لإرساء مَخْرَجٍ يُنْهي الحرب قبل أن تحرق الأخضر واليابس.

وسبق الكشف عن زيارة عبدالعاطي تأكيد القاهرة أن «هذا التحرك يأتي استمراراً لجهود مصر الدبلوماسية الرافضة للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والتوغل داخل الأراضي اللبنانية»، مشيرة إلى «أن هذه الممارسات تمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي وقرار مجلس الأمن الرقم 1701، وتُعدّ مساساً مرفوضاً بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه».

وفي الإطار نفسه، توقفتْ أوساط سياسية عند ما كُشف عن مضمون الاتصال الذي تلقاه رئيس الحكومة نواف سلام من رئيس مجلس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم الذي أكد خلاله «تضامنه مع الشعب اللبناني في هذه الظروف الصعبة، وأشار إلى أنه تواصل مع نظيره الباكستاني (شهباز شريف)، الذي يلعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، لتأكيد أن مساعي وقف النار يجب أن تشمل لبنان».

وبحسب هذه الأوساط فإن ما يفاقم المخاطر على لبنان، يتمثّل في أن الوطن الصغير يواجه عاصفةَ النار الأعتى التي زجّه فيها «حزب الله» بتصدُّعٍ داخلي كبير يُنْذِر بانزلاقاتٍ قد تَخرج عن إمكان الاحتواء في ضوء تعدُّد الفتائل الموصولة بـ «برميل البارود»، من النزوح الذي يَطرح تحدياتٍ أمنية هائلة، مروراً بالتشقق السياسي الذي يعمّقه توعُّد الحزب بالانقلاب على الحكومة وقراراتها في ما خص حظر نشاطه الأمني والعسكري، وصولاً إلى الخطوة غبر المسبوقة بطرْد السفير الإيراني المعيّن وإن كانت معطياتٌ تشير إلى أن غضبة الحزب وحركة «أمل» والمرجعية الدينية الشيعية لن تصل إلى «قلب الطاولة» في المرحلة الحالية.

وفي الإطار، تكثفت الاتصالات بين رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة لمحاولة إيجاد مخارج شكلية، تتيح للثنائي الشيعي تبرير تمرير قرارٍ بحجْم طرد السفير الإيراني - ومدجج بأبعاد تطل على دور الحرس الثوري في لبنان وتوريط طهران لبيروت في حرب تَرْفَضها - ولكن من دون إظهار الدولة في موقع المتراجِع عن خطوةٍ سيادية بامتيازٍ قوبلت سريعاً بترحيب فرنسي وارتياح أميركي وخليجي.

ومن خلف التسريبات والتسريبات المضادة حول «أبوّةِ» طرد السفير الإيراني، وهل كان رئيس الجمهورية في جوّه وكذلك رئيس البرلمان (كان زار عون عشية القرار)، تقاطعت إشارات عند أن القرار اتُخذ بالتنسيق بين عون وسلام - خصوصاً في ضوء استحالة تصوّر صدور قرار بهذا المستوى عن وزير الخارجية يوسف رجي، منفرداً - وسط استبعاد أن يستقيل وزراء الثنائي الشيعي اليوم، نظراً لأن انسحابهم من الحكومة سيكون بمثابة «هدية» لخصوم «حزب الله» تكمل سياسياً نصاب حظر الجناح العسكري للحزب.

وفي وقت دعت حركة «أمل» في بيان إلى «العودة والتراجع عن إبعاد السفير الإيراني لتجنيب البلاد الدخول بأزمة سياسية ووطنية»، واصفة القرار بأنه «متهور وأرعن»، لم يُعرف المدى الذي ستبلغه الدعوة التي أعلن أن بري وجّهها للسفير المطرود لعدم مغادرة بيروت، وسط تأكيد خبراء في القانون الدولي والشأن الدبلوماسي أن أي «تمرُّد» من شيباني سيجعله فاقد الحصانة الدبلوماسية ومعرّض للتعاطي معه كأي شخصٍ مخالف للقانون، وإن كان بقاءه في حرم سفارة بلاده يحول دون أي تنفيذ زاجر لقرار إبعاده.

في موازاة ذلك، برزت إطلالة للأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، بلا صوت ولا صورة، بل ببيانٍ تُلي باسمه واعتبر فيه «أن الوحدة الوطنية ألا تتخذ الحكومة قرارات تخدم المشروع الإسرائيلي وأن تعود عن قرارها بتجريم العمل المقاوم والمقاومين».

ولفت إلى أنّه «عندما تُطرح حصرية السلاح تلبية لمطلب إسرائيل مع استمرار الاحتلال والعدوان، فهي خطوة على طريق زوال لبنان وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى. وعندما يُطرح التفاوض مع العدو تحت النار فهو فرض للاستسلام وسلب لكل قدرات لبنان».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي