حكومات عدة تبنت مبادرات بإجراءات قاسية تُشكّل أوسع حملة تدخُّل طاقوي منسّق تاريخياً

تقييد «هرمز» يطلق سباقاً عالمياً نحو... «التقشف»

تصغير
تكبير

- «الطاقة الدولية»: 10 ملايين برميل خسائر الخليج يومياً
- الصادرات النفطية تراجعت دون 10 في المئة من مستوياتها قبل الحرب
- اليابان تعتمد على الشرق الأوسط في تأمين 95.1 في المئة من وارداتها

بتاريخ 28 فبراير الماضي، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران جواً وبحراً، وأثناء ذلك قيدت طهران حركة الملاحة في مضيق هرمز ذلك الممر الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33.8 كيلومتر، ويمرّ عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته، أي ما يعادل قرابة 20 في المئة من إجمالي الاستهلاك النفطي العالمي.

وتوقفت حركة الناقلات التجارية بصورة شبه كاملة، وأرست أكثر من 150 سفينة على طرفي المضيق، وكانت نتيجة ذلك أن قفز سعر خام برنت من مستويات قريبة من 65 دولاراً للبرميل قبيل اندلاع الأزمة إلى ما يقارب 120 دولاراً في غضون أيام قليلة.

وإزاء القفزة الهائلة في أسعار الطاقة وتنامي التوقعات بحدوث ركود تضخمي جاءت استجابات حكومات دول كثيرة حول العالم بمبادرات تقشف حمائية تقاطعت جميعها على التحصن من استمرار الحرب بإجراءات قاسية تُشكّل في مجملها أشمل وأوسع حملة تدخُّل طاقوي منسّق ربما في التاريخ.

حجم الاضطراب

ووصف تقرير وكالة الطاقة الدولية «IEA» لشهر مارس الجاري الأزمةَ الراهنة بأنها خلقت أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية، مشيراً إلى أن حجم الصادرات من النفط الخام ومشتقاته انخفض إلى ما دون 10 في المئة من مستوياته قبل الحرب.

وبدأ منتجو الخليج، الذين تمتلئ خزاناتهم بنفط عاجز عن الوصول إلى الأسواق، تخفيض إنتاجهم. وقدّرت الوكالة إجمالي الخسائر الإنتاجية في منطقة الخليج بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً وفضلاً عن ذلك، تراجع العرض العالمي من الغاز الطبيعي المسال «LNG» بنسبة 20 في المئة، ما أجبر الاقتصادات الآسيوية ذات الدخل المرتفع على منافسة أوروبا على الكميات المتاحة من شحنات الغاز. وفي العاشر من مارس، اجتمع وزراء طاقة مجموعة السبع في مقر الوكالة بباريس، وطلبوا منها تقييم الأوضاع واقتراح إجراءات منسّقة.

ووافق الأعضاء الـ 32 في «الطاقة الدولية» في 11 مارس الجاري على إطلاق 400 مليون برميل من احتياطاتهم الطارئة في الأسواق، وهو السادس في تاريخ الإجراءات الجماعية للوكالة منذ تأسيسها 1974، والأضخم على الإطلاق بفارق كبير، إذ يتجاوز ضعف الـ182.7 مليون برميل التي أُطلقت في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا 2022.

ووصف المدير التنفيذي للوكالة فاتح بيرول القرار، بأنه أكبر إطلاق على الإطلاق لمخزونات النفط الطارئة في تاريخ الوكالة. وكشف تحديث لاحق أصدرته الوكالة أن الدول الأعضاء التزمت بإجمالي 426 مليون برميل متجاوزةً الهدف الأصلي، مع إجراء دول آسيا ومنطقة المحيط الهادئ إطلاقها الفوري وتوالي المساهمات الأوروبية والأميركية، وتمثّل النفط الخام 301 مليون برميل من الإجمالي، فيما بلغت مشتقات النفط 125 مليون برميل.

1 - أميركا... أضخم احتياط

وقدّمت الولايات المتحدة أضخم مساهمة في إطار الإطلاق المنسّق، بمقدار 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي «SPR»، تُوزَّع على مدى 120 يوماً استناداً إلى معدلات الضخ المقررة.

وأشارت وزارة الطاقة الأميركية إلى أن عمليات التسليم لا تبدأ عادةً إلا بعد نحو 13 يوماً من صدور أمر الإطلاق الرئاسي، ما يعني أن أضخم احتياطي طارئ في العالم لا يستطيع إغراق الأسواق فورياً، بل يستلزم قطع المسافة عبر خطوط الأنابيب ومنشآت التكرير وشبكات التوزيع قبل أن يصل إلى المستهلك.

ويحتفظ الاحتياطي الإستراتيجي الأميركي بنحو 415 مليون برميل من أصل طاقة استيعابية إجمالية تبلغ 715 مليون برميل، ما يعني أن المساهمة الأميركية تعادل 41 في المئة من حجمه الراهن.

2 - اليابان... الأكثر انكشافاً

أسهمت اليابان بثاني أكبر حصة في الإطلاق الطاقوي المنسّق بـ79.8 مليون برميل، حيث يعد انكشافها أمام هذه الأزمة هو انكشافٌ هيكلي لا ظرفي عابر، إذ كانت طوكيو وما زالت تعتمد على الشرق الأوسط لتأمين 95.1 في المئة من وارداتها النفطية وفق وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية، مع مرور ما يقارب 73.7 في المئة منها عبر هرمز تحديداً.

وانضمت اليابان إلى بيان وزراء خارجية مجموعة السبع الصادر في 21 مارس، الذي وصف الهجمات الإيرانية على البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة بأنها لا مبرر لها وطائشة.

3 - كوريا الجنوبية... دبلوماسية متحفّظة

التزمت كوريا الجنوبية بـ22.5 مليون برميل في إطار إطلاق «الطاقة الدولية»، لتكون رابع أكبر مُساهم وطني، وأعلنت عن ذلك علناً في 11 مارس مرفوقاً بإطلاق خطط طوارئ شاملة في قطاع التكرير. وانضمت سيؤول إلى البيان المشترك للدول الـ 22، وإن كانت قد رفضت الطلب الأميركي الصادر في 16 مارس بتقديم مساعدة عسكرية لإعادة فتح المضيق.

وعلى صعيد الطلب، أطلقت الحكومة الكورية الجنوبية حملات وطنية لترشيد استهلاك الوقود تستهدف الأسر والقطاع الصناعي على حدٍّ سواء، مع توفير برامج تحفيزية للشركات التي تُعجّل اعتماد نظام العمل عن بُعد.

4 - كندا... تضامن بلا تدخل

جاءت كندا في المرتبة الثالثة بين الدول المساهمة في الإطلاق الطاقوي بـ 23.6 مليون برميل. وأجرى رئيس الوزراء مارك كارني مشاورات مع كل من ترامب ورئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر» في شأن أوضاع هرمز، مؤيداً إستراتيجية الاحتياطيات المنسّقة دون أن يتعهد بأي دور عسكري.

5 - ألمانيا... حماية المستهلك

تبرّعت ألمانيا بـ19.5 مليون برميل ووقّعت البيان الدبلوماسي المشترك. وعلى الصعيد الداخلي، اتخذت الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتز إجراءً فورياً لحماية المستهلك إذ حظرت على محطات الوقود رفع الأسعار أكثر من مرة واحدة في اليوم، وهو قرار وصفته وزيرة الاقتصاد كاتارينا رايشه بأنه يجسّد مبدأ التضامن المشترك الذي تقف وراءه ألمانيا بوصفه المبدأ الأهم في عمل الوكالة الدولية للطاقة.

ورغم توقيع ألمانيا البيان الجماعي، رفضت -إلى جانب إيطاليا ولوكسمبورغ ورومانيا وإسبانيا ودول أعضاء أخرى في الاتحاد الأوروبي- أي تورط عسكري مباشر في المضيق.

6 - فرنسا... حضور أكثر جرأة

كانت فرنسا سادس أكبر مُساهم في إطلاق الاحتياطات بـ14.6 مليون برميل، وهي في الوقت ذاته أكثر الدول الأوروبية نشاطاً على الصعيد العسكري.

ففي 9 مارس، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون، إيفادَ فرنسا 12 سفينة لمنطقة الشرق الأوسط الأوسع، مع نشر فرقاطتين من البحرية الفرنسية لمرافقة السفن التجارية، واصفاً المهمة بأنها دفاعية بحتة في إطار عملية «Aspides» القائمة.

7 - بريطانيا... دعم للأسر

ساهمت بريطانيا بـ 13.5 مليون برميل، وتحرّكت موازياً على صعيد الحماية الاجتماعية؛ إذ أعلنت الحكومة البريطانية تقديم دعم مالي مباشر للأسر الهشة لمساعدتها على سداد فواتير زيت التدفئة. ووصفت وزيرة المالية راشيل ريفز غيابَ خطة ملموسة لإعادة فتح هرمز بأنه مُحبط، وتولّت العمل مع ألمانيا وإيطاليا على دعم منظومة الشحن التجاري عبر المضيق.

8 - النمسا... إطلاق الاحتياطي الوطني

انتهجت النمسا مساراً أكثر مباشرةً في درء جشع أسعار الطاقة. فأعلن وزير الاقتصاد فولفغانغ هاتمانسدورفر السماح برفع أسعار الوقود في محطات البنزين 3 مرات فقط أسبوعياً اعتباراً من الأسبوع التالي للإعلان، كما أجاز إطلاقاً جزئياً من الاحتياطي الوطني الطارئ للنفط ومدّد الاحتياطي الإستراتيجي من الغاز الطبيعي.

9 - اليونان... سقف لأرباح التجار

سلكت اليونان مساراً مباشراً مثل النمسا في درء جشع أسعار الطاقة، إذ أقدمت على تحديد سقف لهامش أرباح تجار تجزئة الوقود.

10 - إسبانيا... خفض ضريبي

على صعيد الملاذ الضريبي، كانت إسبانيا تعتزم خفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود من 21 في المئة إلى 10 في المئة وفق ما أوردته تقارير محلية استندت إلى مصادر حكومية.

11 - إيطاليا وبلجيكا وهولندا

أما إيطاليا وبلجيكا وهولندا وسائر الدول الأوروبية، فقد واجهت منافسة متصاعدة من المشترين الآسيويين على شحنات الغاز الطبيعي المسال، وسط مخاوف من تفاقم نقص الإمدادات في حال امتدت الأزمة إلى الربع الثاني من العام.

وعقدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قمة طارئة ناقشت تخفيف فواتير الكهرباء عبر مراجعة الضرائب الوطنية على الطاقة ورسوم شبكات النقل وأعباء الكربون.

12 - آسيا... طلب يسبق المساهمات

تحرّكت دول آسيا والعالم النامي في إجراءات كبح الطلب على الطاقة بوتيرة أسرع من مساهماتها في الاحتياطات الطاقوية المشتركة، حيث اعتمدت الفلبين وباكستان أسبوع عمل يتألف من 4 أيام للموظفين الحكوميين. وأغلقت سريلانكا المكاتب الحكومية كل أربعاء. وعزّزت كل من لاوس وتايلند وفيتنام توجيهات العمل من المنزل للقطاع العام، وفق ما رصدته «الطاقة الدولية» في متابعتها للاستجابات الوطنية.

13 - الهند... تعظيم إنتاج المصافي

في الهند، أحد أكبر مستوردي النفط في العالم، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ وأمرت مصافي التكرير بتعظيم إنتاجها المحلي من غاز البترول المسال، كما اقترحت نشر البحرية الهندية لحماية شحنات الإمدادات في خليج عُمان دون الدخول إلى المضيق. وأفادت التقارير بأن عدداً من الناقلات الرافعة للعلم الهندي حصلت على إذن بالعبور في إطار ترتيبات دبلوماسية مع طهران.

والواقع أن كل الاجراءات التي تم اتخاذها من جانب دول العالم في مواجهة الأزمة الراهنة ليست في حقيقتها سوى شراء للوقت في انتظار الحلول الدبلوماسية، أو عمليات عسكرية تُضعف قدرة إيران على مواصلة إغلاق مضيق هرمز، أو ربما اتفاق ما. فما لا يملكه أيٌّ من تلك الاجراءات هو تحريك البترول الراسي، ناقلةً إثر ناقلة، على طرفي ممرٍّ إستراتيجي ضيق لكنه بالغ الأهمية للعالم ككل.

النقل البري يستحوذ على 45 في المئة من الطلب النفطي

أطّرت «الطاقة الدولية» منهجية كبح الطلب في تقرير نشرته 20 مارس، وهو التقرير الذي تضمّن 10 إجراءات تمسّ قطاعات النقل البري والطيران والطهي والصناعة.

وتصدّر النقل البري قائمة الأولويات باعتباره مسؤولاً عن نحو 45 في المئة من الطلب النفطي العالمي. وتراوحت الإجراءات بين العمل من المنزل حيثما أتاحت طبيعة الوظيفة ذلك، وخفض حدود السرعة على الطرق السريعة بما لا يقل عن 10 كيلومترات في الساعة لحركتَي الركاب والشحن، وتشجيع استخدام وسائل النقل العام وتقاسم السيارات.

تأثير محدود في السوق

رغم اتساع الاستجابات وسرعتها، يُجمع محللون ومراقبون على تقدير موحّد لحدودها. فلقد صرّحت، رئيسة إستراتيجية السلع العالمية في «RBC Capital Markets» هيليما كروفت، أن إطلاق تلك التدابير قد يكون ذا أثر محدود في السوق، نظراً لأن الإمدادات مُقيَّدة بالمعدلات التي يمكن فيها استخراج النفط فعلياً من الاحتياطات وإيصاله إلى الأسواق.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي